في "السيرة الذاتية تبدأ منك" تكتب د. ريم علي القحطاني كتابًا لا يقدّم السيرة بوصفها حكاية مكتملة عن الماضي، بل كفعلٍ مستمر يبدأ من الوعي بالذات قبل تدوين الأحداث. هذا ليس كتاب اعترافات، ولا دليل تطوير ذات تقليدي، بل محاولة جادّة لإعادة تعريف معنى أن يكتب الإنسان نفسه، لا كما حدثت الوقائع فقط، بل كما أثّرت، وكسرت، وأعادت التشكّل. الفكرة المركزية واضحة منذ البداية: حياتك ليست ما جرى لك، بل ما فهمته مما جرى.
يتحرّك الكتاب عبر فصول قصيرة نسبياً، لكنها كثيفة المفهوم، تجمع بين التأمل النفسي، والخبرة التربوية، والاشتباك الهادئ مع أسئلة الهوية والاختيار والمسؤولية. تكتب المؤلفة عن الطفولة، الذاكرة، العلاقات، الألم، الفقد، والقرارات الصغيرة التي تُهمل عادة، لكنها تصنع المسار كله. لا تُقدَّم التجربة الإنسانية كخط مستقيم، بل كسلسلة انعطافات، بعضها مقصود وأكثرها فُرض علينا، ومع ذلك يظل الإنسان مسؤولًا عن طريقة قراءته لها.
ما يميّز الكتاب أنه لا يضع القارئ في موقع المتلقي، بل في موقع الشريك. الأسئلة تتكرر أكثر من الإجابات، والتمارين الفكرية تحضر دون أن تتحول إلى وصفات جاهزة. الكتابة هنا تحاول أن تُنقذ السيرة من التجميل أو جلد الذات، وتعيدها إلى معناها الأصدق: الاعتراف بما كنّا عليه، دون تبرير، ودون قسوة زائدة. حتى الألم لا يُقدَّم كعائق، بل كأرشيف، إذا أُحسن تفكيكه، صار معرفة.
في النهاية السيرة الذاتية تبدأ منك كتاب يُقرأ ببطء، لأنك في كل فصل تُضطر إلى التوقف، لا للتأمل في النص فقط، بل في نفسك. هو عمل عن الشجاعة الهادئة: شجاعة النظر إلى الداخل، وكتابة ما لا يُقال عادة، قبل أن نبحث عن صياغته للآخرين. والسؤال الذي يظل عالقًا بعد الصفحة الأخيرة:
هل نكتب سيرتنا لنفهم حياتنا… أم نحتاج أن نفهم حياتنا أولًا كي نجرؤ على كتابتها؟