ضد المكتبة - خليل صويلح

٣٠

في "ضد المكتبة" يكتب الروائي والصحافي السوري خليل صويلح نصًا هجينيًا يقف بين السيرة الذاتية والبيان القرائي، بين الاعتراف الشخصي والتأمل النظري في معنى المكتبة اليوم. لا يأتي الكتاب ليهدم فكرة المكتبة، بل ليهدم صورتها المتخشبة: تلك الرفوف المتضخمة التي تُعامل كديكور اجتماعي أو شهادة وجاهة ثقافية. صويلح، الذي راكم تجربة طويلة في القراءة والكتابة والعمل الثقافي، يقترب هنا من الكتاب كقارىء أولًا، يختبر علاقته بالرفوف، بالعناوين، وبالكتب التي التصقت بحياته ثم اضطر إلى التخفف منها قسرًا أو اختيارًا.

ينطلق الكتاب من تجربة شبه كابوسية: مكتبة ترافق صاحبها في ترحاله بين البيوت، قبل أن يتعذر إدخالها إلى الشقة الجديدة بسبب ضيق الباب، فيتركها للقدر وسائق الشاحنة. من هذه الحادثة الموجعة يفتح صويلح باب الأسئلة: ماذا تعني المكتبة حين تتحول من ملاذ إلى عبء مادّي؟ ما الذي يبقى منا إذا فقدنا “أثاث” ذاكرتنا الورقية؟ يتنقل بين ذكريات كتب بعينها، ورفوف ضاقت بها البيوت العربية الصغيرة، وحسابات العيش التي لا تترك مساحة لمكتبة فارهة. وفي الخلفية تظهر صورة الكاتب العربي الذي لا يملك ترف اقتناء كل ما يحب، فيواجه ضرورة الانتقاء كخيار وجودي لا تجميلي.

في مستوى آخر، يذهب الكتاب إلى نقد فكرة تكديس الكتب وعبادة الكتلة الورقية. يهاجم صويلح الكتب الرديئة التي تغزو الأسواق، والمكتبات التي تتحول إلى استعراض على مواقع التواصل، وصور الرفوف المصقولة التي لا تقول شيئًا عن نوعية ما يُقرأ. يستدعي مكتبات وكتبًا وأسماء عالمية وعربية، من أمبرتو إيكو إلى تجارب مكتبات وُلدت من الهامش أو من النفايات، ليقول إن المكتبة الحقيقية ليست عددًا ولا ديكورًا، بل شبكة صغيرة من الكتب المؤسسة التي تعيد تشكيل وعينا. من هنا تأتي فكرة “اللامكتبة” كاقتراح لإعادة ترتيب علاقتنا بالكتب، لا لهدمها بل لتحريرها من الفائض.

في النهاية، «ضد المكتبة» كتاب عن فن انتقاء ما يستحق البقاء على الرفّ، وعن ضرورة أن نعامل الكتب كحيوات كاملة لا كصناديق مرصوصة. إنه نصّ يدعو القارئ إلى إعادة النظر في مكتبته الخاصة: ماذا نحتفظ به فعلًا؟ وماذا نكدّسه فقط كي لا نعترف أن لا علاقة لنا به؟

ويبقى السؤال الذي يطارد القارئ بعد إغلاق الكتاب:

هل نملك مكتباتنا… أم أن مكتباتنا هي التي تملكنا وتفرض علينا شكل القراءة والحياة؟

اقرأ المزيد
المتبقي 0

٣٠

نفدت الكمية