رواية "العقيد لا ينام" للكاتبة الفرنسية إميليان مالفاتو هي نصّ يُكتب بحدة النظر التي تأتي من قلب الميدان، وبذلك الحزن الذي يعرفه من شهدوا الحروب لا من قرأوا عنها. العمل يكشف الوجه اليومي للصراع، ذلك الوجه الذي لا تصوّره العدسات: الهدوء المشبوه قبل الغارة، نبض الأصابع على الزناد، الخوف المختبئ في الصدر حتى عند من يتظاهرون بالقسوة. مالفاتو لا تقدّم رواية حرب، بل رواية عن الإنسان الذي تحوّله الحرب إلى ظلّ يعيش بين النوم واليقظة، حيث كل لحظة قد تكون الأخيرة.
القصة تتبع ضابطًا يستعد لشنّ ضربة جوية على هدف محدد، رجل يمارس عمله ببرودة عسكرية، لكنه يحمل في داخله هشاشة تتسرّب من بين الصفوف. ومع كل حركة صغيرة، يتكشّف القلق الذي يرافقه كظلّ لا يزول: تردّداته، ذكرياته، والندم الذي يلتصق بالروح حتى وإن لم يُنطق به. مالفاتو تبني الشخصية لا كبطل ولا كجلّاد، بل كإنسانٍ يراقب نفسه وهي تتفتت بصمت. هنا، القتل ليس بطولة، بل اختبار أخلاقي طويل، وكأن الرواية تريد أن تقول إن الحرب ليست بين جيشين فحسب، بل بين الإنسان وضميره حين يُطلب منه أن يضغط على زرّ يغيّر مصائر الآخرين.
اللغة التي تكتب بها مالفاتو حادّة وواضحة، لكنها محمّلة بشحنة عاطفية مخفية. جمل قصيرة تشبه ضربات القلب، وصور مركّزة تجعل المشهد يلمع ثم ينطفئ كوميض قنبلة. السرد يتحرك بين لحظة القرار ولحظة الوعي بالفعل، فيفضح هشاشة القوة حين تتقابل مع الوجود الإنساني. ليست رواية صاخبة؛ قوتها تأتي من الفراغ الذي تتركه بين الجمل، ومن تلك الأسئلة التي تتردد في الغرفة من دون أن يجرؤ أحد على الإجابة عنها. كل صفحة تذكّر القارئ أن الحرب ليست ضجيجًا فقط، بل صمتًا مرعبًا يسبق الانفجار.
في النهاية، «العقيد لا ينام »رواية عن الفعل الذي لا يمكن التراجع عنه، عن اللحظة التي يتجمد فيها الزمن بينما يستمر القلب في العدّ. عمل يسأل القارئ لا عن الحرب وحدها، بل عن الإنسان حين يواجه نفسه في مرآة وظيفته.
فهل يظلّ النوم ممكنًا لمن يعرف أنه يحمل في يده مصائر الآخرين؟
وهل يمكن للعقل أن يتماسك حين تصبح الطاعة أثقل من الذنب؟