المرافقة - نينا بربيروفا

ترجمة أحمد الويزي

٣٥

رواية "المرافقة" للكاتبة الروسيّة نينا بربيروفا عمل يلتقط هشاشة الروح في اللحظة التي تتقاطع فيها الموهبة مع الفقر، والحلم مع الخوف. بربيروفا تعود هنا إلى عالم المهاجرين الروس، أولئك الذين يعيشون بين وطنٍ فقدوه ووطنٍ لم يقبلهم تمامًا، وتختار بطلة لا تشبه الأبطال: سفيتا، عازفة البيانو التي لا تملك شيئًا سوى أصابع نحيلة وخوفٍ ثقيل من أن لا تكون جديرة بالحياة التي تريدها. الرواية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تكتب ما لا يقوله الفنّ نفسه: أن الموهبة وحدها لا تنقذ أحدًا.

العلاقة بين سفيتا والمغنّي الذي ترافقه على البيانو تتحول إلى مركز الرواية. علاقة لا تقوم على الحبّ بالمعنى التقليدي، بل على الاعتماد، الحاجة، والاختناق. بربيروفا تفهم هذا النوع من الروابط… تلك التي تمنح الحياة معنى وتسرقه في اللحظة نفسها. بينهما تتكشف طبقات من الخضوع، من الرغبة غير المتوازنة، ومن الخوف من الهجر. البطل ليس هو، ولا هي، بل الصمت بينهما: ذلك الفراغ الذي يبتلع كل ما لا تستطيع الشخصيات قوله. وهنا تبرع بربيروفا في تصوير السلطة الناعمة التي تدمّر من دون أن ترتفع يد واحدة.

أسلوب بربيروفا في الرواية دقيق كخطّ رفيع على ورق هشّ. لا تستعرض، ولا ترفع الصوت، بل تكتفي بجمل قصيرة تنزلق إلى الأعماق ببطء قاتل. تصف باريس المهاجرين، المسارح الصغيرة، البيوت التي تسكنها رائحة الفقر، كما تصف النفس البشرية حين تتحول إلى غرفة مغلقة. الموسيقى تحضر كظلّ، لا كزينة: ليست ضوءًا يخلّص، بل مرآة تكشف كل ما تحاول سفيتا إخفاءه — خوفها، نقصها، شعورها بأنها “نصف شخص” يعيش على هامش حلم الآخرين.

في النهاية، المرافقة ليست رواية عن الفنّ، بل عن الثمن الذي يدفعه الإنسان حين يربط ذاته بشخصٍ آخر. إنها نصّ عن الرغبة في أن يُرى المرء، وفي الوقت نفسه الخوف من أن يُكشف بالكامل. عملٌ يسأل القارئ سؤالًا واحدًا ولكنه لا يجاب بسهولة:

هل يكفي أن نرافق الآخرين… كي نعثر على أنفسنا؟

أم أننا، حين نختار أن نكون الظلّ، نخسر حقّ أن نصبح نورًا يومًا ما؟

اقرأ المزيد
تم شراؤه 20 مرة

٣٥

أضف إلى السلة