الطريق - فاسيلي غروسمان

٥٠

الكاتب فاسيلي غروسمان، الصحفي الحربي الروسي الذي وثّق تجارب الحرب العالمية الثانية والمعاناة البشرية في الاتحاد السوفييتي، يُعد من أبرز الأصوات الأدبية في القرن العشرين. أعماله، مثل «الحياة والمصير»، و «كل شيء يمضي»، تُرجمت إلى لغات متعددة وأثارت اهتماماً نقدياً واسعاً. روايته «الطريق» (The Road) تأتي ضمن تراثه الإنساني النقدي، وتجمع بين السرد القصصي، والتأمل الفلسفي، والمقال الصحفي، لتكون شاهداً على قدرة الأدب على مواجهة التاريخ والذاكرة.

في «الطريق»، يصحبنا غروسمان في رحلة مروّعة وغامضة عبر المسارات التي يسلكها الإنسان حين يُحاصر بين قوى التاريخ والقدر. النص يفتح من حكايات قصص قصيرة ورسائل ومقالات، لكن في جوهره رواية عن العناء والانكسار والكرامة، عن كيف يصبح الطريق ليس مجرد مسار إلى مكان، بل اختباراً للوجود. النقد أشاد بقدرته على تحويل “الطريق” إلى رمزٍ يعبر فيه عن الحرب، عن الاحتلال، عن الحياة التي تُسحب من تحت أقدامنا تدريجياً.

لغة غروسمان في هذه الرواية متوازنة بين البساطة الشفوية والعمق التأملي. المشاهد التي ترسمها — من رمال أبينينيا، إلى سهوب أوكرانيا، إلى خطوات البغال والطريق الذي لا ينتهي — تنبض بوزن الوجود. ما يميّز العمل أنه لا يمنح وطنياً أو بطلاً كبيراً بالمعنى التقليدي، بل يمنح صوتاً للمنسيين، للبغال، للجنود الذين يمشون بلا خريطة، للطرق التي لا تؤدي إلى نهاية. هذا التصوير يجعلك تقف لحظة: ما قيمة الطريق إذا كان من سيمشيه قد فُقد أو تُرك؟ وما قيمة الوصول إذا كان السفر وحده قد فضّح ما نحن عليه؟

في نهاية المطاف، «الطريق» ليست رواية سهلة أو مريحة؛ هي استدعاء للضمير، للذاكرة، للفرار من السرد الرسمي نحو سردٍ إنسانيّ لا يُنسى. العمل يذكّرنا بأن الطريق الذي نسلكه ليس مجرد مسافة، بل انعكاس لما نحمله في داخلنا من خوفٍ وأملٍ وانكسارٍ.

فهل نكون نحن من نخطّط لطريقنا؟ أم أن الطريق يختارنا ويبلغ بنا حيث لا نريد؟

وهل النهاية التي نبحث عنها، هي ما في نهاية الطريق… أم هي الطريق نفسه؟


قراءة المزيد

٥٠

إضافة للسلة