ليكن الرب في عون الطفلة - توني موريسون

ترجمة بثينة الابراهيم

٤٠

رواية "ليكن الرب في عون الطفلة" للكاتبة الأمريكية توني موريسون تمضي مباشرة إلى الجرح المفتوح الذي بُني عليه جزء كبير من الأدب الأمريكي: الطفولة حين تُصاب مبكرًا، والجسد حين يصبح شهادة على الألم بدل أن يكون بيتًا للطفل. موريسون، الحائزة على نوبل للآداب وصاحبة واحدة من أثقل التجارب اللغوية والإنسانية في القرن الأخير، تعود هنا لتكتب رواية عن امرأة ما زالت تركض هاربة من طفلتها القديمة. البطلة «برايد» ليست ضحية بالمعنى التقليدي، بل امرأة صنعت نجاحها من قسوة الجنون الاجتماعي الذي يُصنّف البشر بناء على لون بشرتهم، لكنها في كل خطوة تشعر أن الماضي يمسكها من كتفها بقوة لا تُفلت.

تبدأ الرواية من لحظة قاسية: طفلة تُعاقَب لأنها “داكنة أكثر مما يجب”، فتتعلّم منذ البداية أن الحبّ امتياز مشروط بملمس الجلد. موريسون تجعل من هذا الحطام النفسي نقطة انطلاق لسردٍ يكتب الجمال كعنة، والنجاح كقناع، والنضج كمحاولة يائسة للهروب من صدى طفلة داخليّة تُذكّر البطلة بأن أحدًا لم يحتضنها في الوقت المناسب. تنمو برايد، تصبح جميلة وصاخبة ومرغوبة، لكنها في أعماقها تظل تمشي على أرض رخوة، وفي كل علاقة، وكل قرار، يعود سؤال الطفولة ليضرب بقسوة: ماذا يحدث لمن يُحرم من الحبّ حين يحتاجه؟

أسلوب موريسون هنا أقل زخرفة من أعمالها الكبرى، لكنه لا يقلّ حدّة. لغتها مشدودة، مشبعة بما لا يُقال، وكأن كل فصل يُكتب بحذر كي لا تنفجر الحقيقة دفعة واحدة. تنتقل الرواية بين أصوات عدّة، كل منها يكشف طبقة إضافية من حياة برايد: أمّ غارقة في الخوف الاجتماعي، رجال أرادوا شكلها ولم يروا وجعها، وامرأة تُحاول أن تعيد بناء نفسها من الداخل قبل أن ينهار كل شيء. ورغم العنف العاطفي الذي يمرّ عبر الصفحات، تبقى الرواية ممتلئة بـ«الإمكانية»… بإحساس أن الانكسار قد يكون بداية لصوت جديد.

في النهاية، «ليكن الرب في عون الطفلة» عمل عن الندبة التي لا تزول، وعن الجسد حين يحمل تاريخًا لم يختره. رواية تبحث في سؤال الهوية من الجذور لا من السطح، وتمنح القارئ مرآة مؤلمة لما يبقى من الإنسان بعد انتهاء العاصفة.

ويبقى السؤال الذي ترفعه موريسون بلا رحمة:

هل يمكن للإنسان أن يشفى… إذا لم يجرؤ يومًا على النظر في عين طفولته؟

اقرأ المزيد
المتبقي 0

٤٠

نفدت الكمية