الطنان - ساندرو فيرونيزي

ترجمة معاوية عبد المجيد

٤٥

الروائي الإيطالي ساندرو فيرونيزي، أحد أهم الأصوات في السرد الأوروبي المعاصر والحائز على جوائز أدبية مرموقة في بلاده وخارجها، يكتب في "الطنّان" رواية تتجاوز حدود الحكاية لتصبح تأمّلًا طويلًا في هشاشة الإنسان وصموده الغريب أمام العواصف. فيرونيزي معروف بقدرته على الجمع بين العمق النفسي والصفاء اللغوي، وفي هذا العمل تحديدًا يقدّم شخصية لا تُنسى: ماركو كاريتشي، الذي يشبه الطائر نفسه—كائن صغير يقاوم العاصفة بالبقاء في مكانه لا بالطيران بعيدًا.

تدور الرواية حول ماركو، رجل يعيش سلسلة من الفجائع الشخصية والعائلية، لكنّ مواجهته للمصير ليست بالصراخ أو الانهيار، بل بتلك الحركة الصامتة التي تشبه رفّة جناح لا تُرى. لا يهرب ماركو من الحياة، بل يظلّ فيها، ثابتًا في مواجهة الفقد والخسارة والقرارات المؤجلة. تتناثر حياته في فصول غير مرتّبة زمنيًا، كأن السرد يحاكي تشظّي ذاكرته نفسها: رسائل، ذكريات طفولة، لقاءات مبتورة، لحظات حبّ موجعة… كلها تشكّل بورتريه رجلٍ يحاول أن يبقى واقفًا مهما انهار فيه العالم.

لغة فيرونيزي هنا شفّافة ومشحونة في الوقت نفسه، تمتزج فيها الفلسفة بالرهافة، والعاديّ بالعميق. لا يعتمد الكاتب على حبكة صاخبة، بل على التنقّل بين طبقات المشاعر، بين العنف الداخلي الذي لا ينفجر، وبين الحنان الذي يأتي في اللحظات غير المتوقعة. ويتحوّل “الطنّان” إلى استعارة للحياة نفسها: كيف نعيش رغم كل شيء؟ كيف نواصل رغم أننا نعرف أن الخسارة جزء ثابت من الطريق؟ الرواية تطرح هذه الأسئلة بنبرة هادئة، لكنها مؤثرة إلى حدّ يجعل القارئ يشعر أنه يقرأ اعترافًا شخصيًا.

في النهاية، «الطنّان» ليست رواية عن البقاء، بل عن المعنى الذي نبحث عنه ونحن نتماسك وسط العاصفة. إنها عمل يذكّر القارئ بأن المقاومة ليست صرخة، بل قدرة على الوقوف في مكانك حين يدفعك العالم للسقوط. فهل يكفي أن نثبت كي ننجو؟ أم أن النجاة نفسها ليست سوى وهمٍ جميل يحتاجه القلب ليكمل ما بدأه؟


قراءة المزيد
تم شراءه 21 مرة

٤٥

إضافة للسلة