هامنت - ماغي أوفارل

ترجمة: زوينة آل تويه

٦٠

الكاتبة البريطانية ماغي أوفارل - الحائزة على جائزة المرأة للخيال لعام 2020 - تقدّم في روايتها «هامنت» عملاً فنيًا نادر الحسّ والجرأة، يمزج بين الدقّة التاريخية والتخييل الأدبي بلمسة إنسانية نابضة. الرواية تستعيد القرن السادس عشر من خلال حياة ويليام شكسبير وزوجته آن هاثاواي، لكنها لا تُروى من عيني الكاتب العظيم، بل من قلب امرأةٍ عادية، زوجةٍ وأمّ، تجد نفسها في مواجهة فقدٍ لا يُحتمل: موت ابنها «هامنت». بهذا الانزياح الذكي، تعيد أوفارل صياغة التاريخ لا بوصفه حكاية عن الأدب والمجد، بل عن الوجع الإنساني الذي يصنع الفنّ من رماده.

تكتب أوفارل الرواية كما لو أنها تُعيد تعريف الحزن. لا تبحث عن الدموع ولا عن البطولة، بل عن تلك اللحظة التي يصبح فيها الفقد جزءًا من التنفس اليومي. عبر شخصية الأمّ «أغنيس» (الاسم الأصلي لآن هاثاواي)، ترسم الكاتبة ملامح امرأةٍ ذات حياةٍ داخلية غنية، تحاور الطبيعة، تصغي إلى الريح، وتقرأ نذور الحياة في الحقول قبل أن تنكسر تحت وطأة الغياب. نرى العالم من عينيها لا بعيني زوجها الكاتب، فنكتشف كيف تنقلب المأساة العائلية إلى أسطورة فنية لاحقًا، وكيف يُكتب المسرح من وجع البيت، لا من عبقرية الموهبة فقط.

أسلوب الرواية متفرّد في إيقاعه الهادئ وبنيته المتداخلة، حيث تتقاطع الأزمنة وتذوب الحدود بين الواقع والخيال. أوفارل تمتلك موهبة نادرة في تحويل اليوميّ إلى أسطوريّ دون أن تفقد صدقه، وتُعيد اختراع التراجيديا بلغةٍ تحنو ولا تتصنّع. فلا تقدّم الكاتبة وصفًا مباشرًا للمأساة، بل تتركها تتسرّب بين تفاصيل الحياة الصغيرة: لمسة يد، صوت باب، رائحة خبزٍ لم يُكتمل خبزه. القارئ لا يقرأ عن الموت، بل يعيشه كما تعيشه الأمّ، ببطءٍ متواصل، وحنينٍ لا شفاء منه.

في النهاية، "هامنت" ليست رواية عن شكسبير، بل عن المرأة التي حملت وجعه ووهبته معنى. إنها عمل عن العائلة، عن الحب الذي يظلّ رغم الانكسار، وعن الفنّ الذي يولد من رحم الخسارة. تسألنا الرواية: كيف يمكن للحبّ أن يستمرّ حين يخذلنا القدر؟ وهل يستطيع الخيال أن يرمّم ما لا يُرمَّم؟

قد لا تمنحك الرواية عزاءً، لكنها تمنحك وعيًا جديدًا بالحياة، وحرقةً تشبه ضوءًا خافتًا لا ينطفئ في القلب.

قراءة المزيد
تم شراءه 47 مرة
المتبقي 0

٦٠

نفدت الكمية