بيدرو بارامو - خوان رولفو

ترجمة صالح علماني

٤٥

رواية "بيدرو بارامو" للكاتب المكسيكي خوان رولفو ليست مجرد نصّ، بل تجربة وجودية تُقرأ كأنها حلمٌ ثقيل يتسلّل إلى الوعي ببطء. رولفو، بصوته المكثّف القليل الصفحات، يكتب هنا عملاً لا يشبه أي بناء روائي مألوف. يدخل القارئ عالمًا يتكوّن من الريح، الغبار، الأرواح، والذاكرة المتكسّرة، كأن الأرض المكسيكية نفسها تحكي، لا الكاتب. إنها رواية عن العودة… لكن عودة من يبحث عن أبٍ غائب، ليكتشف أن الأب ليس غائبًا فقط، بل ظلٌّ يُهيمن على مدينة ماتت من فرط حضوره.

يبدأ النص حين يصل خوان بريثيادو إلى قرية كومالا بعد وفاة أمه، بحثًا عن والده بيدرو بارامو. لكن ما يجده ليس حياة، بل مكانًا مسكونًا بالأصوات. الناس الذين يحدّثونه لا ينتمون للعالم الحي، بل إلى عالمٍ آخر يتكلّم بلا أجساد. كومالا تتحوّل إلى مقبرة مفتوحة، والبحث عن الأب يصبح بحثًا عن معنى الوجود داخل عالمٍ انهار من الداخل. هنا، لا فرق واضح بين الموتى والأحياء، لأن الجميع يتكلّم من داخل الصمت نفسه، صمتٌ كثيف يجعل الرواية أقرب إلى استعارةٍ عن بلدٍ عاش قمعًا طويلًا، وعن ذاكرةٍ جماعية لا تهدأ.

أسلوب رولفو في هذا العمل يقوم على التفكك المتعمّد: أصوات تتقاطع، زمن ينثني، وحكايات صغيرة تتجاور كأنها شقوق في جدار واحد. الجمل قصيرة كإطلاقات، لكنها محمّلة بثقل الأرض والخراب. وهذا ما جعل الرواية تُقرأ كنصّ يمشي على الحافة بين الواقعية والأسطورة—كتابة تنتمي إلى التراب بقدر ما تنتمي إلى الحلم. رولفو لا يخبرك شيئًا، بل يجعلك تسمع: وقع الخطوات في القرية الخاوية، أنين الأرواح، وصدى القسوة التي خلّفها بيدرو بارامو كإقطاعي صنع مجده من دم الناس. وبذلك، يصبح الأب رمزًا لكل سلطة تنجح في أن تحكم حتى بعد موتها.

في النهاية، «بيدرو بارامو» ليست رواية عن رجل ولا عن قرية، بل عن أمّة تعيش على أطراف الذاكرة، عن الناس الذين تُطفئهم السلطة لكن تبقى حكاياتهم تتردّد مثل صدى لا يموت. إنها رواية عن العودة التي لا تُنقذ أحدًا، وعن الحقيقة التي تظهر متأخرة، حين تصبح بلا جدوى.

فهل ذهب خوان بريثيادو ليبحث عن أبيه… أم ليواجه مصيره الذي كان ينتظره منذ البداية؟

وهل تُشفى القرى التي يتركها الطغاة خلفهم، أم تتحوّل إلى كومالا جديدة كل جيل؟


اقرأ المزيد
تم شراؤه 14 مرة
المتبقي 0

٤٥

نفدت الكمية