كلب أزرق ينبح بجوار السرير

محمد المطرفي

٢٤

٣٠

محمد المطرفي، كاتب سعودي شاب، عُرف بتجريب أشكال جديدة في السرد وبتوغله في مناطق قلّ أن يغامر بها الكتّاب العرب. في أعماله يذهب إلى إعادة النظر في النصوص الكبرى وشخصياتها، مُمسكًا بخيطٍ رفيع بين الاحترام والتمرّد، ليمنح القارئ فرصة إعادة قراءة الموروث الأدبي العالمي من زاوية أخرى.

في عمله الأخير، يقدّم لنا نوفيلا صغيرة تتناول شخصية سانتياغو، بطل رواية الشيخ والبحر لإرنست همنغواي، لكن هذه المرة بعيدًا عن سلطة كاتبه الأصلي. نرى سانتياغو وقد تحرّر من شبكة البحر، ليجلس على كرسي الحلاق في إحدى ضواحي هافانا، مستعدًا لقصّ الحكايات كما يقصّ الشعر. العمل يبدو وكأنه لعبة سردية ذكية، حيث يفسح المطرفي المجال للشخصية لتتكلم وتجادل وتعيش حياتها بذاتها.

وبينما يتقدّم القارئ في النص، يكتشف أنه لا يقرأ فقط عن سانتياغو، بل عن علاقة معقدة بين ثلاثة أطراف: همنغواي نفسه، وبطل روايته، ثم المطرفي الذي يقف بينهما شاهدًا ومشاركًا في آن. الحوارات تتخذ شكل المبارزة أحيانًا، والمصالحة أحيانًا أخرى، في مشهد أقرب إلى سباق تتابع يتناوب فيه الكتّاب والشخصيات على حمل العصا السردية.

لكن ما يمنح العمل قيمته الخاصة هو نزعته الشاعرية. في لحظات مؤثرة، يظهر همنغواي ضعيفًا، يبكي حبيبته أغنيس، بينما سانتياغو يثرثر كأنه يحاول أن يملأ الفراغ الذي خلّفه غياب البحر. هذه المشاهد تُدخل القارئ في لعبة من الالتباس الجميل: هل نتحدث عن همنغواي حقًا أم عن المطرفي نفسه وقد أسقط روحه على معلمه الأميركي؟

في النهاية، هذه النوفيلا ليست مجرّد إعادة كتابة، بل دعوة للتأمل في معنى أن تفلت الشخصيات من قبضة مؤلفها، وأن يصبح النص كائنًا حيًا مستقلًا. تُرى، كيف سيتصرّف سانتياغو بعد أن تحرر من البحر ومن كاتبه؟ وهل سيبقى الحلاقُ قادرًا على إقناعنا بحكاياته كما أقنعنا صيادًا ذات يوم؟ وهل تملكنا حكاياتنا!! أسئلة يتركها المطرفي مفتوحة، لتدفع القارئ إلى الدخول في التجربة بنفسه.

اقرأ المزيد
تم شراؤه 15 مرة

٢٤

٣٠
أضف إلى السلة