الهدية الأخيرة - عبد الرزاق قرنح

ترجمة: زوينة آل تويه

٤٥

في "الهدية الأخيرة" يواصل الروائي التنزاني-البريطاني عبدالرزاق قرنح — الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 2021 — مشروعه السردي الهادئ الذي يلتقط فيه التفاصيل الصغيرة للمنفى والهوية، لكنه هذه المرّة يغوص أعمق في حياة العائلة وتلك الشقوق الخفية التي تخلّفها الأسرار. في ظاهرها، تبدو الرواية عن الهجرة والاغتراب، لكنها في جوهرها حكاية عن الأرواح التي تهجر بعضها وهي تحت سقفٍ واحد. من خلال بطلها جمعة، المهاجر الإفريقي الذي يعيش في إنجلترا، يرسم قرنح صورة إنسانٍ تبدو حياته ساكنة من الخارج، لكنها تضجّ في الداخل بأسئلةٍ لم يُجب عنها أحد.

حين يهاجم المرض جمعة فجأة، تنكسر واجهة الصمت التي ظلّ يختبئ خلفها لعقود. المرض لا يأتي هنا بوصفه كارثة جسدية، بل كنافذةٍ نحو الماضي، نحو الذاكرة التي حاول أن يدفنها عن زوجته «سالي» وعن أولاده الذين يجهلون جذوره. تتداعى أمامه صورٌ من الطفولة والرحيل والمنفى، وتظهر تلك الطبقات المطموسة من الذاكرة: الحكايات التي لم تُقل، والأخطاء التي لم تُغتفر، والندم الذي لم يجد طريقه إلى الكلام. بأسلوبه المتأمل الرصين، يحوّل قرنح هذه التفاصيل إلى رحلة داخلية عنيفة تُخاض بصمت، حيث تصبح البيوت الباردة وشوارع الضباب مسرحًا لانهياراتٍ لا يراها أحد.

تتبدّل فصول الرواية كما تتبدّل الفصول المناخية في حياة العائلة، فننتقل من صوت جمعة إلى سالي، ثم إلى الأولاد، فيكشف كل واحدٍ منهم وجهًا لم يُعرف من قبل. هذا التعدد في الأصوات يجعل الرواية خريطةً للغياب العاطفي، حيث كل فردٍ يعيش عزلته الخاصة حتى وسط الآخرين. اللغة هنا شفافة وواقعية، تخلو من الزخرف لكنها مشبعة بالإحساس، تنساب ببطءٍ يشبه الاعتراف، وتضع القارئ أمام صدقٍ متأخرٍ لا يُشبه الخلاص بقدر ما يُشبه المواجهة. ومن خلال هذا البطء الجميل، يعيد قرنح تعريف معنى الصمت في العلاقات الإنسانية: ليس كل ما لا يُقال ضعفًا، أحيانًا هو شكل من أشكال الحماية، أو النجاة.

في النهاية، "الهدية الأخيرة" ليست عن الموت أو النهاية بقدر ما هي عن الصدق حين يأتي متأخرًا جدًا. إنها رواية عن الثقل الذي يحمله الإنسان حين يعجز عن البوح، وعن هشاشة الروابط حين تبنى على النوايا لا على الكلام. هدية قرنح لنا هي هذه اللغة المضمّخة بالسكينة، التي تُعرّي دون أن تجرّح، وتواسي دون أن تبرّر. فهل الصراحة المتأخرة تملك حق الشفاء؟ وهل يمكن لحياةٍ بُنيت على النسيان أن تُنقذها لحظة صدقٍ واحدة؟

قراءة المزيد
تم شراءه 7 مرات
المتبقي 0

٤٥

نفدت الكمية