بيت المندسة - هدى التميمي

مشاهدات في الحل والترحال

٣٥

في "بيت المندسة" تكتب هدى التميمي أدب رحلات شخصي وحميم، لكنه يبدأ من أقرب نقطة ممكنة: البيت. قبل المطارات، قبل المدن البعيدة، هناك "المندسة" في عنيزة – بيت العائلة الكبير، رائحة البيض البلدي الطازج، صوت الديكة فجراً، نوم الصيف على السطح تحت النجوم. البيت الذي لا يُسمّى "بيت الجد إبراهيم" بل "المندسة"؛ لأن البيت نفسه كان مندسّاً بين الخضرة والحديقة والثمار، والممرات والطيور. هذا المكان ليس مجرد خلفية طفولة، بل أصل الفكرة كلها: أن المكان يصبح معنى، وأن العائلة تصير جذرًا للعلاقة مع العالم. من الصفحة الأولى يقول لك الكتاب: نحن سنسافر، نعم، لكننا سنسافر بعيون شخص يؤمن أنّ أجمل الرحلات تبدأ من الداخل.

الكتاب مكتوب كـبورتريهات متتالية للأمكنة والناس: بيت عتيق في لبنان، مقهى قديم في القاهرة، زقاق في لشبونة، خان صغير في وسط البلد، وحتى فتاة لا تعرفها في مقهى في عنيزة فتقاسمك الطاولة، فتعود وتلتقون بعد عام كأنكما صديقتان قديمتان. هذه ليست مشاهد سياحية؛ ليست "نصائح مسافر" ولا "أفضل 10 أماكن لزيارتها". التميمي لا تكتب أدلّة سفر، بل تكتب علاقات. كل محطة هي شعور تم التقاطه، حرارة كوب شاي في لحظة برد، شجرة ليمون في فناء بيت قروي، يد عجوز تشرح لك تاريخ قريتها بلهجة ليست لهجتك، لكنك تفهمها لأن الدفء مفهوم بكل اللغات. الرهان واضح: العالم، في حقيقته، ليس خرائط وحدودًا، بل أناس يفتحون لك مقاعدهم وذاكرتهم.

أسلوب الكتاب جزء أساسي من التجربة. هدى التميمي تكتب كما لو أنها تجلس معك في مجلس العائلة بعد الغداء وتقول: "بقول لك قصة". اللغة شفافة جدًا، محكية أحيانًا، صادقة دائمًا، بلا استعلاء، بلا محاولة للتنظير أو "تجميل" التجربة. وهي أيضًا دقيقة مهووسة بالتفاصيل: لون البلاط، ملمس الخشب، صوت المئذنة، اسم طبق في واحة بعيدة، هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تحوّل المشهد من مجرد وصف رحلة إلى لحظة عيش كاملة.

"بيت المندسة" كتاب حنين لكنه ليس بكّائياً، وكتاب حركة لكنه ليس استعراضيًا. سيحبّه القارئ الذي سافر كثيرًا، وسيتنفس معه القارئ الذي لم يغادر مدينته قط. لأن السؤال الحقيقي الذي يتركه لك هو: كم مرة مررت من مكان عادي وقلت "مو مهم" بينما كان المكان نفسه ينتظر أن يصير قصة؟ وكم بيت – بيتك أنت، بيت جدّتك، أو حتى بيت عمتك – يستحق أن يُكتب عنه قبل أن يتغير أو يُهدم أو يبهت أثره؟ هذا النوع من الكتب لا يُقرأ فقط، بل يدفعك أن تفتح ذاكرتك أنت. هل عندك "بيت مندسة" خاص في حياتك؟!


قراءة المزيد
تم شراءه 20 مرة

٣٥

إضافة للسلة