عبقرية اللغة - ويندي ليسير

ترجمة حمد الشمري

٥٠

كتاب "عبقرية اللغة" ليس كتابًا نظريًا عن اللسانيات، بل عملًا أدبيًا تأمليًا يجمع خمسة عشر كاتبًا من خلفيات لغوية وثقافية مختلفة، تجمعهم وتحرّرهم الناقدة الأمريكية ويندي لِسِّر، ليكتب كلٌّ منهم عن علاقته بلغته الأم والإنجليزية التي يكتب بها اليوم. الفكرة بسيطة ظاهريًا: مقالات عن “اللغة الأولى”. لكن النتيجة نصوص تشبه اعترافات عميقة حول الهوية، المنفى، والكتابة كفعل عبور بين أكثر من عالم. الكتاب يضع القارئ أمام سؤال أساسي: ماذا يحدث للكاتب حين تصبح اللغة نفسها ساحة الصراع؟

الأسماء المشاركة ليست عابرة: كتاب من أصول بنغالية، صينية، تشيكية، إيطالية، يابانية، كورية وغيرها، يكتبون بالإنجليزية لكنهم لا يتخلّون عن جذورهم اللغوية، بل يجعلونها مادة خامًا لأدبهم. نقرأ مثلًا عن كاتب يرى في لغته الأم “الأم الغيورة” التي لا تغفر خيانته، وآخر يتحدث عن صعوبة الانتقال من لغة كثيفة الصيغ إلى لغة تُفضِّل الكلمات القصيرة المباشرة، وثالث يكتشف أن نبرة السخرية التي يستخدمها بالإنجليزية ما كانت لتولد لولا احتكاكه بثقافة جديدة. هذه المقالات لا تقدّم دروسًا في الترجمة، بل تجارب جسدية ونفسية مع اللغة، حيث تتحول الأصوات والأزمنة والنبرات إلى أجزاء من الهوية نفسها.

إسهام ويندي لِسِّر هنا ليس مجرد جمع مقالات، بل خلق سياق مشترك يعطي لهذه الأصوات معنى إضافيًا. في المقدمة والخيط الذي يربط النصوص، تطرح سؤالها الأساس: من أين يبدأ الكاتب حقًا؟ من اللغة الأولى التي سكنته، أم من اللغة التي يكتب بها الآن؟ اختيارها لكُتّاب يكتبون بالإنجليزية كلغة ثانية أو ثالثة يضاعف من عمق الكتاب، لأن كل نصّ هنا قائم على توتّر: بين لغة البيت ولغة الكتب، بين لسان الأم ولسان المهنة، بين ذاكرة تُفكَّر بلغة، وواقع يُكتب بلغة أخرى. واللافت أن كثيرًا من هؤلاء الكتّاب لا يتعاملون مع لغتهم الأم كذكرى رومانسية، بل كقوة أحيانًا خانقة وأحيانًا منقذة.

في النهاية، عبقرية اللغة كتاب عن الكتابة بقدر ما هو عن الانتماء. يمنح القارئ فرصة نادرة لسماع كتّابٍ يتحدثون بصراحة عن “المطبخ الداخلي” للغة: كيف تتشكل الجملة، من أين يأتي الإيقاع، ولماذا يشعر البعض أن كل نص يكتبونه هو مفاوضة بين لغتين لا تتصالحان تمامًا. إنه عمل مثالي لكل من يهتم بالترجمة، أو يكتب بلغة ليست لغته الأولى، أو فقط يشعر أن لغته أوسع من جواز سفره.

ويبقى السؤال الذي يتركه الكتاب معلَّقًا في ذهن القارئ:

هل اللغة بيتٌ نسكنه… أم معبرٌ لا ينتهي بين أكثر من وطن؟

اقرأ المزيد
تم شراؤه 19 مرة

٥٠

أضف إلى السلة