المكتبة - زوران جيفكوفيتش

ترجمة نوف الميموني

٣٠

رواية "المكتبة"للكاتب الصربي زوران جيفكوفيتش عمل يفتح بابًا خفيًا إلى عالمٍ لا يشبه المكتبات التي نعرفها. في هذا النص، تتحول القراءة من فعلٍ يومي إلى تجربة وجودية تقع على الحدود بين الحلم والواقع، بين المعرفة والغموض، وكأن الكاتب يذكّرنا بأن الكتاب هو المكان الوحيد الذي يملك القدرة على إعادة تشكيل القارئ. «المكتبة» ليست رواية عن الكتب، بل عن المكان العقلي الذي تخلقه الكتب داخل الإنسان، ذلك الحيز الذي لا يراه الآخرون لكنه يشكّل مصيرنا ببطء.

القصة تبدأ من زيارة تبدو عادية: رجل يدخل مكتبة صغيرة، فإذا بالمكان يمتد، يتشعّب، ويتحوّل إلى سلسلة من الغرف التي لا تتبع منطق الهندسة، بل منطق الوعي. كل غرفة تحمل كتابًا لا يشبه الآخر، وكل كتاب يفتح نافذة على حياة لم يكن يتخيّلها. ومع كل خطوة إلى الداخل، تتفكك العلاقة التقليدية بين القارئ والنصّ، ويصبح السؤال: من يقرأ من؟ ومن يخلق من؟ هكذا يكشف جيفكوفيتش عن رؤيته: العالم ليس سوى مكتبة كونية، كلّ ما فيها يقرأ كلّ ما فيها.

أسلوب جيفكوفيتش معروف بقدرته على الجمع بين السرد البسيط والعمق الفلسفي. الجمل قصيرة، لكنها محمّلة بإيحاءات تتجاوز ظاهرها؛ كأن الكاتب يترك المعنى يتردد بين السطور بدل أن يقدّمه مباشرة. في «المكتبة»، اللغة نفسها تتصرف ككائن حي، تنفتح تارة على الخيال الصافي، وتارة على تأملات عن الذاكرة، المصير، والهوية. لا يوجد صراع خارجي كبير، بل رحلة داخلية تتكشّف تدريجيًا، رحلة يواجه فيها القارئ صورته في المرآة: ما الذي نبحث عنه حين نفتح كتابًا؟ المعرفة؟ الهرب؟ أم شكل آخر من أشكال النجاة؟

في النهاية، "المكتبة" هي رواية عن سرّ القراءة، عن ذلك الحنين الغامض نحو مكان لا يوجد إلا داخل الصفحات. عمل يلمّح إلى أن الكتب ليست أشياء جامدة، بل بوابات، وأن كل قارئ يحمل في داخله مكتبة سرية لا يزورها أحد سواه. فهل نقرأ الكتب… أم هي التي تقرأنا؟

سؤال يتركه جيفكوفيتش مفتوحًا، تمامًا كما يترك باب مكتبته مواربًا لمن يجرؤ على الدخول.


قراءة المزيد
المتبقي 0

٣٠

نفدت الكمية