برتقال إسماعيل - كلير حجاج

ترجمة نوف الميموني

٥٥

رواية "برتقال إسماعيل" للكاتبة البريطانية ذات الجذور المختلطة كلير حجاج عملٌ إنساني شديد الحساسية، يحفر في العمق حيث تتقاطع السياسة بالهوية، والحبّ بالميراث التاريخي. ليست الرواية مجرد حكاية عائلية، بل محاولة شجاعة للاقتراب من واحدة من أكثر اللحظات التراجيدية في القرن الماضي من خلال مصير إنسان واحد. تُعيد حجاج رسم تلك اللحظة لا كصراع بين دول، بل كقصة طفل يبدأ حياته مُلقى بين طرفين لا يستطيع أحدهما رؤيته كاملًا.

القصة تدور حول إسماعيل، الطفل الذي يولد من أم يهودية وأب فلسطيني، في واقع يستحيل فيه أن يجتمع الاسمان تحت سقف واحد. يتعرض إسماعيل للاختطاف، وينشأ في عالم يجهل نصفه ويُغذّى بروح النصف الآخر، ويظلّ قلبه موزعًا بين هوية يعرفها، وأخرى تُنكر عليه. تعمل كلير حجاج على هذا التمزّق كأنها تشدّ خيطًا بين عالمين، وتُبقي شخصيتها معلّقة بين ذاكرة لا يمتلكها، وحقيقة لا يستطيع الهرب منها. وفي هذا التوتر تضيء الرواية سؤالًا مريرًا: هل يمكن لإنسان أن يتجاوز تاريخًا كُتب قبل ولادته؟

اللغة التي تكتب بها حجاج هادئة، مشبعة بالرشاقة الإنكليزية، لكنها تحمل دفئًا عاطفيًا واضحًا. تنسج الرواية تفاصيل الحياة اليومية بمهارة، لا لتروي ما حدث فحسب، بل لتكشف ما تركه الحدث في الروح من ندوب. مشاهد طفولة إسماعيل، المدينة التي تكبر فيه، الروائح، العلاقات، وكل ما يتعلمه عن نفسه وعن العالم يخلق نسيجًا سرديًا يرى فيه القارئ حياة تُبنى على نصف حقيقة ونصف صمت. ومع الوقت، يصبح السؤال ليس “من هو إسماعيل؟” بل “من يسمح له أن يكون؟”.

في النهاية، برتقال إسماعيل ليست رواية عن السياسة، بل عن الإنسان الذي يجد نفسه ممزقًا داخل سردية لم يختر أن ينتمي إليها. إنها رواية عن الخسارة التي تولد قبل الوعي، وعن الهوية حين تصبح عبئًا لا ميراثًا. ومع أن الرواية تنتصر للإنسان فوق كل انقسام، فهي لا تقدّم حلولًا بقدر ما تترك جرحًا واضحًا:

كيف يعيش شخص وهو يحمل نصفًا يعتبره الآخر خيانة؟

وأيّ طريق يمكن أن يقود إلى السلام… حين تكون الولادة نفسها هي أول معركة؟

قراءة المزيد
تم شراءه 16 مرة
المتبقي 2

٥٥

إضافة للسلة