سرمدان - جمانة مصطفى

الغول والعنقاء والخل الوفي

٤٠

الكاتبة جمانة مصطفى، صوت شعري وأدبي أردني/فلسطيني بارز في المشهد العربي المعاصر، تقدّم في روايتها الأولى سرمدان، بعد خمس مجموعات شعرية أثبتت حضورها فيها كإحدى أكثر الكاتبات فرادة. هذا العمل الذي وصفه النقاد بأنه «نقلة في مشروعها الأدبي» يفتح بابًا على عالم يمزج التاريخ بالأسطورة، والذاكرة بالخيال، ليضع القارئ أمام تجربة سردية غير مألوفة.

ببراعة أخّاذة، توظّف مصطفى الأساطير الشرقية والصحراوية في هذه الفانتازيا التاريخية، لتغدو شخصيات حيّة داخل الرواية. ففي سرمدان -البلاد الواقعة بين الوجود والعدم- بقرار من "إرادة الخير" تجد الكائنات الأسطورية ملاذها الأخير، بعد أن عجزت عن حماية نفسها من محاولات الإنكار البشرية. هنا، تعيش الخرافات الطيبة بسلام: الحوريات، ساكنات المرايا، الأصنام، الحيوانات الناطقة بالحكمة، الجنّ بنوعيه الهادئ والماجن، النسانيس (أنصاف البشر)، وبعض الجمادات والكائنات التي صُنّفت أسطورية لأسباب استثنائية، مثل شجرة الأمنيات، والماعز الخضراء، والمستحيلات الثلاثة عند العرب: الغول، والعنقاء، والخلّ الوفيّ.

لكن "البلاد غير الموجودة" لا تعني تعايشًا أسطوريًا بالضرورة، إذ يحكمها بشر سابقون بلغوا الجنون المطبق، ونُقلوا إلى سرمدان باعتبار أن «غياب العقل اللازم لصناعة الخرافة يساوي غياب العقل اللازم للإصابة بالجنون»، كما يقول عرّاف نجد، كبير بيت العرافة السرمداني.

هكذا تنسج الرواية حكايةً تتقاطع فيها الأسطورة مع التجربة الإنسانية، حيث تتماهى الأصوات وتتصادم الذاكرة مع الحاضر. بأسلوب وصِف بأنه دقيق كالسكين، شاعري دون زينة، تستدرج مصطفى القارئ إلى عوالمها الداخلية، لتجعل من الخيال مرآةً للواقع.

سرمدان ليست رواية تُقرأ، بل تجربة تُعاش، تجعلك تعيد التفكير في الزمن بوصفه ساحةً للمنفى والعودة معًا، ومليئاً بالفانتازيا عن الأساطير المنسية أو الجنون البشري. تجربة تفهمك هذا النص الرمزي الذي يطرح الزمن كقدرٍ إنساني، وعن محاولاتنا المستمرة لصناعة ملاذات نلجأ إليها كلما ضاق الواقع.

يجد القارئ نفسه أمام صورته الأكثر هشاشة، لكنه يواصل النظر، لأن في العمق يكمن المعنى.

سرمدان، البلاد "غير الموجودة"، تترك سؤالها مفتوحًا: هل نبتكر أساطيرنا كي نحمي ذواتنا من العدم، أم أن العدم هو الذي يصنع أساطيرنا؟


قراءة المزيد
تم شراءه 7 مرات
المتبقي 1

٤٠

إضافة للسلة