المعادة - دوناتيلا دي بيترانطونيو

ترجمة أماني فوزي حبشي

٤٥

رواية "المعادة"للكاتبة الإيطالية دوناتيلا دي بيترانطونيو عمل يضرب في العمق، لا بالحوادث الكبرى، بل بالجرح الصغير الذي يغيّر حياة إنسان إلى الأبد: أن تُعاد إلى عائلتك البيولوجية كأنك غرض تمت استعادته، لا روح لها تاريخ آخر. الكاتبة، بصوتها الهادئ والحاد في آن، تكتب عن المراهقة حين تُنتزع من جذورها فجأة، وعن الفتاة التي اكتشفت أن الانتماء ليس شعورًا يولد مع الدم، بل شيء يبنى من جديد… وأحيانًا على أطلال العائلة الأولى.

الراوية التي لا تحمل اسمًا — وكأن الاسم نفسه لم يعد يخصّها — تنتقل من بيتٍ ميسور اعتقدت أنه عالمها الحقيقي، إلى بيتٍ فقير في الريف حيث تنتظرها أمّ بيولوجية غريبة وإخوة لم تعرفهم قط. الصدمة ليست الفقر، بل الإحساس بأنها مستردَّة، أُخذت من حياة لتُلقى في أخرى. تتخبط بين ذكريات المدينة وضيق الريف، بين لغة ماضية كانت تنتمي إليها، وصمت جديد لا تملك مفاتيحه بعد. ومن هذه الهوة بين “هناك” و“هنا”، تصنع الكاتبة سؤال الرواية كله: ما معنى العائلة حين تُفرض عليك بدل أن تختارها؟

لكن الرواية لا تبقى في مساحة الجرح فقط؛ بل ترسم ببطء خيوط العلاقة الجديدة بين البطلة وشقيقتها أدريانا، تلك الشابة العنيدة التي تحمل قسوة الريف وحنانه معًا. تتسلل المشاعر عبر تفاصيل صغيرة: سرير يُشارك، خبز يُقسَّم، خطوات تُكرَّر على الطريق ذاته. البيت الفقير لا يتحول إلى ملاذ، لكنه يصبح مساحة يمكن احتمالها، قطعة من حياةٍ تُعاد كتابتها من جديد. وفي الخلفية، يظل الفرق الطبقي حاضرًا بقسوته: بيتان، عائلتان، ومستقبَلٌ يتشكّل وفق الفرص التي حصل عليها الطفل الأول ولم تحصل عليها “المعادة”.

أسلوب دي بيتريتّونيو ساحر في بساطته؛ جملة قصيرة، مضبوطة، تضع القارئ داخل رأس الراوية مباشرة. لا تستخدم الدراما المفتعلة، بل تجعل الألم يتسرّب من بين الكلمات، كأنه شيء يتكوّن في الحلق ببطء. لا تطلب الرواية من القارئ التعاطف، بل الفهم — فهم التمزق، التعلّق المتأخر، ومحاولة التعايش مع صورتين للنفس لا تتطابقان. وفي النهاية، لا تقدّم وعدًا بالشفاء، بل حقيقة أخرى: أن الهوية ليست مكانًا نجد فيه الأمان، بل طريقًا طويلًا نتعلم فيه احتمال أنفسنا.

«المعادة» ليست رواية عن تبنّي فاشل، بل عن إنسانة تحاول أن تكون شيئًا واحدًا رغم أن حياتها انقسمت إلى اثنين. رواية عن العائلة حين تكون قدرًا لا خيارًا، وعن الحبّ حين يأتي متأخرًا جدًا ليصلح كل شيء… أو ليزيده تعقيدًا.

ويبقى السؤال معلّقًا: هل يكفي أن تُعاد إلى أصلك… كي تشعر أنك في بيتك؟


قراءة المزيد
تم شراءه 5 مرات
المتبقي 0

٤٥

نفدت الكمية