كتاب "سرديات المنفى: دراسة في الرواية العربية بعد عام 1967" للباحث محمد الشحات هو دراسة نقدية معمّقة تستكشف تمثلات المنفى والاغتراب في السرد العربي الحديث، من خلال تحليل بنية الحكاية في علاقتها بالذاكرة والهوية والمكان. ينتمي الكتاب إلى حقل الدراسات السردية ما بعد الكولونيالية، ويستند إلى منهج مقارن يجمع بين التحليل النصي والسياق الثقافي، مستفيدًا من أعمال مفكرين أمثال إدوارد سعيد، فرانز فانون، هومي بابا، وميخائيل باختين.
يقدّم الشحّات في هذا الكتاب تصورًا للمنفى بوصفه حالة وجودية قبل أن يكون جغرافية سياسية. فالمنفى ليس فقط غياب الوطن، بل انكسار في العلاقة بين الذات والعالم. في ضوء ذلك، يحلّل روايات عربية بارزة مثل "شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف و"الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" لإميل حبيبي، مبيّنًا كيف يتحول السرد إلى فعل مقاومة، والكتابة إلى شكل من أشكال الشهادة والاحتجاج ضد القمع. ويتوقف كذلك عند سرديات كردية وسورية مثل "عبور البشروش" لسليم بركات، التي تُحوّل الذاكرة الجماعية إلى فضاء للمقاومة الثقافية وإعادة كتابة التاريخ.
منهج الشحّات يتّسم بصرامة أكاديمية تستند إلى المفاهيم السيميائية والتحليل الخطابي، مع وعي نقدي بأبعاد الخطاب ما بعد الاستعماري. فهو يربط بين المنفى بوصفه تجربة سياسية، والمنفى بوصفه مجازًا جماليًا تتقاطع فيه مفاهيم البيت والمدينة واللغة. في هذا السياق، يرى أن الفضاء الروائي في المنفى يتشظى بين حضورٍ زائف للوطن وغيابٍ دائم للانتماء، وأن السارد المنفي يتحوّل من شاهدٍ إلى صانع معنى، يعيد بناء ذاكرة تُقاوم النسيان.
بهذا المعنى، يشكّل "سرديات المنفى" امتدادًا لمشروع نقدي يرصد تحولات السرد العربي من المحلي إلى الإنساني، ومن الواقعي إلى الوجودي. إنه عمل أكاديمي رصين يعيد الاعتبار للرواية العربية بوصفها أرشيفًا للمنفى والاغتراب، ويقدّم للنقد العربي نموذجًا في تحليل الأدب من منظور يتجاوز الجغرافيا نحو أسئلة الهوية والحرية والذاكرة.
فهل يمكن للمنفى أن يتحوّل من جرحٍ إلى وعي؟
وهل تكون الكتابة فعلَ عودةٍ حين تغدو الذاكرة وطنًا بديلًا؟