السائرون نياما: الرومانسية - هرمان بروخ

ترجمة: هبة شريف

٤٥

يُعدّ هرمان بروخ، واحدًا من أبرز كتاب الحداثة النمساويين في القرن العشرين، إلى جانب كافكا وموزيل. وُلد في فيينا لعائلة برجوازية، ودرس الرياضيات والفلسفة، قبل أن يتحوّل للأدب في وقت متأخر نسبيًا من حياته. تميّزت أعماله بالبُعد الفلسفي والتجريبي، وبمحاولته أن يصنع من الرواية أداة لفهم الانهيارات الأخلاقية والفكرية التي مهّدت للحروب الأوروبية الكبرى. أما روايته الأشهر "السائرون نيامًا" (Die Schlafwandler)، فهي عمله الأوسع والأكثر تعقيدًا، وتُعدّ من أهم روايات القرن العشرين. حظيت باحتفاء نقدي واسع، واعتُبرت من الأعمال المؤسسة لفكر "رواية الأفكار" الحديثة. كما كانت أحد الأسباب الرئيسية في ترشيحه الدائم لجائزة نوبل للآداب. وكان من أكبر المتأثرين به واعتبره أستاذًا له: ميلان كونديرا

ثلاثية "السائرون نيامًا " ليست مجرّد تقسيم زمني، بل هي في بنيتها تشريح أخلاقي-فكري متدرّج لانهيار المجتمع الأوروبي في مطلع القرن العشرين، عبر ثلاثة أنماط وجودية وفكرية: الرومانسية، الفوضى، والواقعية. بروخ لا يكتب عن شخصيات، بل عن أنماط عقلانية تنقرض تدريجيًا وعن الانهيار البطيء لحضارة كاملة. على امتداد ثلاث مجلدات، يرسم مشهدًا بانوراميًا لأوروبا ما قبل الحرب العالمية الأولى، حيث تتفكك القيم دون ضجيج، ويواصل الناس حياتهم كما لو أن لا شيء يتغيّر - أو كما لو أنهم يسيرون نيامًا نحو الهاوية.

الجزء الأول: الرومانسية (باسنوف)

يمثل هذا الجزء العالم الإمبراطوري المتماسك ظاهريًا، حيث لا تزال هناك أنظمة أخلاقية، لكنها أصبحت شكلية أكثر من كونها حيّة. باسنوف، الضابط البروسي، يحاول أن يعيش وفق نظام الشرف والانضباط، لكنه يعاني من انفصام داخلي بين ما يؤمن به وما يشعر به.

الرومانسية هنا ليست حبًا أو عاطفة، بل إيمانًا قديمًا بالنظام، بالدين، بالشرف، بالسلطة كقيم عليا. لكن هذا العالم، رغم انضباطه، هشّ من الداخل. يمضي بروخ في تعريته دون صخب، ليكشف أن تمسّك باسنوف بالقيم لم يعد نابعًا من اقتناع، بل من العجز عن تخيّل بديل.

"الرومانسية ليست حلمًا، بل بقايا يقينٍ لم يعد أحد يصدّقه تمامًا."

والجزء الثاني: الفوضى (إسفيرت)

يمثّل إسفيرت جيل التحوّل؛ مثقّف، نصف ثائر، نصف جبان، يعيش على هامش طبقة بورجوازية تخشى التغيير لكنها لم تعد قادرة على مقاومته.

في هذا الجزء، تنهار الأخلاق التقليدية دون أن تحلّ محلها منظومة جديدة، وتصبح الفوضى الأخلاقية والفكرية الحالة السائدة. إسفيرت يحاول تأسيس أخلاق "ذاتية"، لكنه يُفضي في النهاية إلى العدم. ينتقل من امرأة إلى أخرى، ومن فكرة إلى نقيضها، دون أن يقدر على اتخاذ موقف حاسم. بروخ هنا ينقض الوهم الليبرالي بأن الفرد يستطيع ببساطة بناء نظام أخلاقي خاص. فما لم يكن الجذر سليمًا، ينقلب الفرد الحر إلى كائن فوضوي يحتمي بالسخرية أو الحياد.

"حين تفقد القيم مرجعها، تصبح الحرية مجرّد حقل للرغبات غير المحكومة."

أما عن الجزء الثالث: الواقعية (هاينريش هوغن)

الجزء الأخير هو الأكثر جرأة وتشظيًا، وهو ذروة تفكك الشكل الروائي نفسه. هنا، يرفض بروخ الخطّ السردي التقليدي، ويقدّم بنية هجينة: تقارير سياسية، تيارات وعي، نصوص نظرية، مونولوجات، ورسائل متقاطعة.

هاينريش هوغن يُمثّل الإنسان الحديث كما أفرزته الحرب: واقعي، مادي، مدفوع بالحسابات، لكن دون مركز أخلاقي.

تحوّل من اشتراكي مثالي إلى رجل يُبرر القتل بعبارات سياسية باردة. الواقعية هنا ليست "وعيًا بالواقع"، بل قبولًا بانعدام المعنى، والتأقلم مع واقع منسلخ عن أي قيم.

هذا الجزء يُظهر كيف أن الإنسان بعد الحرب لم يعد بحاجة إلى التبرير الأخلاقي، بل فقط إلى الكفاءة والنجاة.

"الواقعية ليست نضجًا، بل الشكل الأخير من أشكال الاستسلام."


الثلاثية تُظهر أن أوروبا لم تنهَر فجأة، بل مشَت بخطى واثقة نحو انعدام القيم، في كل مرحلة كانت تعتقد أنها ما تزال تتحكّم في مصيرها. هذه ليست رواية أحداث، أشبه بمخطوطة لفهم الانهيار من الداخل وتفكيك متأنٍ لمنظومة كانت تظن أنها خالدة.

فهل تنهار الحضارات فجأة... أم تتآكل بصمت بينما الجميع يواصل دوره؟

وهل يملك الفرد حرية الاختيار حين يتحوّل الواقع إلى آلة ضخمة بلا قلب؟

"السائرون نيامًا" لا تشرح سقوط الإمبراطوريات، بل تسأل:

كم يلزم من الغفلة الجماعية كي يقع التاريخ دون أن يشعر أحد!!

قراءة المزيد
تم شراءه 12 مرة

٤٥

إضافة للسلة