في رواية فنجان قهوة بصحبة جاك بريفير للكاتب السعودي الواعد بقلمه محمد المطرفي، عمل يفتح بابًا مختلفًا في السرد العربي المعاصر، حيث يختلط فيه الواقع بالحلم، والأدب بالحياة. بطل الرواية، الذي أبقاه الكاتب بلا اسم، يعيش عالقًا بين عالمين متوازيين: واقعه المليء بالتعب والعجز، وحلمه الذي يبدأ كسجنٍ مظلمٍ يتكرر فيه الكابوس ذاته كل ليلة، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى فضاء رحب يتيح له إعادة النظر في ذاته والعالم. في لحظة فاصلة، يجلس مع الشاعر الفرنسي جاك بريفير على فنجان قهوة متخيّل، لتبدأ بينهما محاورة أدبية عن الذاكرة والألم والكتابة والأدب ذاته، كأنما يلتقي الحلم بالقصيدة في محاولة لفهم الوجود من جديد.
يُدهشك المطرفي هنا بقدرته على جعل «الكوابيس» نصوصًا أدبية، إذ تتحول من كوابيس إلى مشاهد رمزية عن الخوف والعزلة والحنين إلى البساطة. وبينما ينهض البطل كل صباح محمّلًا بآثار أحلامه، يشرع في كتابة كتابٍ غريبٍ من نوعه: مراجعات لشخصيات ثانوية من روايات عالمية، تلك الوجوه المنسية في هوامش الأدب. بهذا المزج المدهش بين الميتاسرد والتأمل، يجعل الكاتب من المهمّش مركزًا، ومن التفاصيل البسيطة حكايات كبرى عن العزلة والاعتراف والرغبة في الخلاص.
في خاتمة الرواية، يُغلق المطرفي دائرته بسردٍ قصير يحاول من خلاله تبرير هذه الفوضى الوجدانية، وكأن الكتاب نفسه أصبح انعكاسًا لتجربة الكتابة بوصفها نوعًا من النجاة. لغة المطرفي هنا دقيقة، شاعريّة بلا تكلّف، تتنقّل بين الفلسفة والهمس، وبين السخرية والشفقة، لتمنح النص ملمسًا إنسانيًا واضحًا. إنها رواية تتحدى القوالب السردية، وتبرهن أن الرواية لا تحتاج إلى «شكل واحد» كي تكون مؤثرة، بل إلى صدق شعوري قادر على اختراق القارئ من الباب الأكثر حميمية: الحلم.
فنجان قهوة بصحبة جاك بريفير ليست مجرد رواية عن كوابيس، بل عن الأدب بوصفه وسيلة للتصالح مع النفس، وعن الحلم كنافذة ثانية للحقيقة. عملٌ يذكّر القارئ بأن الكلمات قادرة على إنقاذنا من أكثر لحظاتنا ظلمة، ولو بفنجان قهوة واحد.
فهل يمكن للأدب أن يوقظنا من أحلامنا أم يغرقنا فيها أكثر؟ وهل يكفي فنجان قهوة لنعرف أيّ العالمين نحن فيه حقًا؟