نزل الزمن الثالث - ميليس بيسري

ترجمة محمد آيت حنا

٤٥

تقدّم الكاتبة الفرنسية المعاصرة ميليس بيسري في كتابها الأول "نزل الزمن الثالث: أيام السيد بيكيت الأخيرة" بترجمة مميزة من محمد آيت حنا، عملاً يقترب من السيرة بقدر ما يبتعد عنها. فهو لا يكتب حياة صمويل بيكيت كما نعرفها، ولا يحاول استخراج حقيقة نهائية لآخر أيامه، بل يصنع نصًا شبيهًا بغرفة بلا نوافذ، يتردد فيها صدى صوت بيكيت: متعب، متوحد، ومحمّل بميراث من الغموض. بأسلوب متقشّف يستلهم روح المسرحي الآيرلندي الراحل، هذا العمل الأول لميليس جعلها تحصد على جائزة الغونكر للعمل الأول، تبني في بيسري كتابًا يقوم على التأملات القصيرة والمشاهد الداخلية، كأنه يحاول الإمساك بالنَفَس الأخير لرجل قضى حياته يكتب عن الانتظار والفناء والصمت.

تنسج بيسري عمله في شكل مقاطع سردية تتداخل بين الواقع والتخيل. يتتبع الأيام الأخيرة لبيكيت داخل دار الرعاية في باريس، لكنه لا يقدّم تسجيلًا حرفيًا، بل قراءة روحية لشخصية مرهقة تقف على حافة الوجود. الحوار قليل، والجمل قصيرة، واللغة تحمل هدوءًا موحشًا يعكس انسحاب بيكيت من العالم. من خلال الممرضين، والزائرين، وتلك اللحظات التي يواجه فيها الكاتب جسده المتداعي، تتشكل صورة بطيئة وموجعة لرجل يعرف أن حياته صارت مجرد وقت إضافي. ومع ذلك، يحتفظ النص بلمسة إنسانية تضيء هذا الظلام، وكأن بيكيت ما زال يبحث عن جملة أخيرة تقول شيئًا لم يقلْه أحد بعد.

قوة الكتاب تكمن في طريقته في محاكاة أسلوب بيكيت دون تقليده، بحيث يصبح السرد نفسه انعكاسًا لفلسفة الكاتب الراحل. الإيقاع بطيء لكنه مشدود، وكل مشهد يبدو كأنه جزء من مسرح داخلي يتلاشى تدريجيًا. يدمج بيسري سيرة ذاتية متخيّلة مع استحضار ذكي لأعمال بيكيت الكبرى مثل «في انتظار جودو» و«نهاية اللعبة»، ليشير إلى أن الرجل عاش وكتب بالطريقة نفسها: على الحافة، بين الكلام والصمت، بين الاستمرار والانطفاء. وفي الوقت نفسه، يمنح القارئ فرصة نادرة للاقتراب من هشاشة شخصية غالبًا ما أحاطت نفسها بغموض متعمّد.

في النهاية، «نزل الزمن الثالث» ليس كتابًا عن موت بيكيت، بل عن المعنى الذي يتركه كاتب حين تصل حياته إلى آخر جملة. عمل يتأمل الشيخوخة والانسحاب والكرامة في لحظاتها الأخيرة، ويمنح القارئ نافذة صغيرة على عقل كان يحاول دائمًا قول ما لا يمكن قوله.

ويبقى السؤال الذي يضعه الكتاب أمام قارئه:

هل نعرف الكتّاب أكثر في حياتهم… أم في الطريقة التي يغادرون بها العالم؟


اقرأ المزيد
تم شراؤه 18 مرة

٤٥

أضف إلى السلة