في "بثّ القلم وتراتيل الوجدان" يقدّم جمعان الشهري نصًّا يجمع بين الفكر والعاطفة في لغةٍ لا تخلو من الشجن الفلسفي. هو كتابٌ يتجاوز كونه مجموعة مقالات إلى أن يكون تجربة في الكتابة ذاتها، حيث يلتقي الأدب بالحكمة، والحبّ بالتأمل، والوجدان بالعقل. منذ الصفحات الأولى، يتبدّى أن الشهري لا يكتب ليفرض رأيًا، بل ليفتح بابًا على التفكير الجمالي والإنساني، مؤمنًا بأن القلم لا يبوح إلا بما يتّسع له القلب.
يتنقّل الكاتب في نصوصه بين مقاماتٍ شتّى: من تأملات في اللغة والأدب إلى نقاشات حول الإيمان والفكر، ومن مقالات عن الفلسفة إلى نصوصٍ وجدانية تُلامس معنى الحبّ والرحمة والكرامة الإنسانية. هذا التنوع لا يشتّت الكتاب، بل ينسجه بخيطٍ داخليّ واضح هو الإيمان بأن المعرفة لا تنفصل عن الوجدان. كل مقال يبدو كترتيلة صغيرة تعزف على وتر مختلف من الوعي الإنساني، وكل فكرة تفتح نافذة جديدة على الذات والعالم.
لغة الشهري هي بطل النص بلا منازع: لغة رشيقة وموزونة، تجمع بين العمق والبساطة، وبين صرامة المفكر ورهافة الشاعر. يكتب عن الفلسفة بلسانٍ محبّ، وعن الحبّ بلسانٍ متأمّل، كمن يسعى لأن يخلق توازنًا بين العقل الذي يسأل، والقلب الذي يُصغي. ومن خلال هذا المزج، يقدّم نموذجًا للكتابة العربية التي لا ترى في الفكر خصمًا للعاطفة، بل رفيقًا لها في طريق البحث عن المعنى.
في النهاية، يبدو بثّ القلم وتراتيل الوجدان كتابًا عن الإنسان في جوهره؛ عن الوعي حين يترنّم بلغة الأدب، وعن الحبّ حين يصبح وجهًا من وجوه الفلسفة. عملٌ يذكّرنا بأن أجمل ما يمكن أن يفعله الكاتب هو أن يمنح الفكر قلبًا، والقلب فكرًا. فهل نكتب لنفهم العالم، أم لنُحبّه أكثر؟ وهل القلم، حين يترنّم، يدوّن الحقيقة أم يبتكرها؟