محمد مبوغار سار، الروائي السنغالي الشاب، حصد جائزة غونكور 2021 عن روايته الاستثنائية ذاكرة البشر الأكثر سرية، ليصبح أول كاتب من إفريقيا جنوب الصحراء يفوز بهذه الجائزة المرموقة. عمله هذا لا يُقرأ كرواية وحسب، بل كرحلة في تاريخ الأدب العالمي، وفي أسئلة الهوية والكتابة والسرقة الأدبية.
تتمحور القصة حول كاتب سنغالي شاب في باريس يدعى ديغان فاي، الذي يقع بين يديه كتاب نادر عنوانه "متاهة اللاإنسان" لاسمٍ مجهول يدعى تي. سي. إيليمان. هذا العمل الغامض الذي نال جائزة أدبية مرموقة ثم سُحب من التداول! بعد اتهامات بالسرقة الأدبية، واختفى الكاتب من الساحة تاركاً وراءه فراغاً يثير الفضول وأسئلة حول معنى الأدب والحرية والمسؤولية الأخلاقية للكاتب. يفتح أمام ديغان بابًا من الأسئلة والبحث: من هو إيليمان؟ وأين اختفى؟ ولماذا ابتلعه التاريخ فجأة؟
الرواية تتشعّب إلى طبقات من الحكايات: قصص كتّاب مجهولين، عناوين أعمال خيالية، وعن لقاءات في بوينس آيرس مع كتّاب واقعيين مثل إرنستو ساباتو وبورخيس، كلها تنسج شبكة روائية تقرأ كتحري مليء بالتأمل والهلوسة، لتكشف عن "بئر من القصص المحتملة التي تصل إلى عمق التاريخ الأدبي. الرواية ليست مجرد مطاردة أثر لكاتب مفقود، بل هي رحلة تأملية في علاقة أفريقيا بذاكرتها، في ما يسرده الاستعمار وما يخفيه، وفي الكيفية التي يمكن أن يحمل بها الأدب مسؤولية سرد الحقيقة أو إخفائها. ستكون أمام عمل يدمج التحقيق بالخيال، السيرة بالميتاسرد، والبحث الفلسفي عن جدوى الكتابة ذاتها.
لن تشعر أنك تقرأ رواية تقليدية، بل نصًا يتنفس إيقاعه الخاص ويُغريك بالتيه داخله، لكن خلف هذه المتاهة السردية، يطل سؤال جوهري: ماذا يعني أن يكتب كاتب من مستعمرة سابقة بلغة المستعمر؟ أهو فعل استلاب أم تخريب عبقري!؟ هكذا يضع الكاتب قارئه أمام المرايا المتعددة للأدب نفسه: الأصل، الاقتباس، التملك، الذاكرة، والهوية.
لغة محمد مبوڤر سار حية، مشبعة بالشعرية، تقودك بين المكتبات والذاكرة، بين ما يُكتب وما يُمحى من الذاكرة ومن يقرر ذلك، وتحكي عن الأدب كفنّ يلتهم ذاته ويعيد إنتاجه في كل زمن. رواية تحتفي بالأسئلة أكثر مما تقدّم الأجوبة، وتجعل قارئها يتساءل:
هل نكتب كي نتذكر، أم كي نهرب من الذاكرة؟
وهل الذاكرة الأدبية.. جماعية بالضرورة، أم أنها "الأكثر سرية" على الإطلاق؟!