سؤال عينيها - إدواردو ساشيري

ترجمة عبد السلام باشا

٥٠

رواية "سؤال عينيها" للكاتب الأرجنتيني إدواردو ساشيري عمل يخلط ببراعة بين الجريمة والعاطفة والسياسة، لكنه في العمق رواية عن الخيبة الإنسانية التي لا تهدأ. ساشيري، الذي يعرف كيف يجعل القارئ يقف بين الماضي والحاضر، يبني نصًا يقوم على رجل ظلّ عمره عالقًا أمام جريمة واحدة: مقتل امرأة شابة بطريقة وحشية، وجثة تُترك لتصير وصمة في ذاكرة البلاد. الرواية تبدأ كتحقيق، لكنها تنتهي كمرآة للحياة التي لم تُعش.

البطل، بنخامين شابورو، موظف قضائي متقاعد يحاول كتابة رواية عن تلك القضية القديمة، لكن ما يكتشفه أثناء الكتابة هو أنه لم يكن يحاول إغلاق ملف… بل محاولة فهم نفسه.

تحمل الرواية توترًا خافتًا يتحرك بين سطورها: علاقة شابورو بزميلته إيرين، علاقة لم تُعلن ولم تُكمل طريقها، لكنها بقيت تكوّن جزءًا من الجرح الذي يدفعه للبحث. الجريمة تصبح هنا رمزًا لشيء أكبر: لبلد عاش سنوات من العنف السياسي، للعدالة التي يتم العبث بها، وللأشخاص الذين يجدون أنفسهم جزءًا من منظومة لا يريدون الانتماء إليها. كل مرة يعود فيها شابورو للملف يرى أكثر: يرى الظلم، الجبن، الصمت… ويرى نفسه. هذا التداخل بين الخاص والعام هو السحر الحقيقي في الرواية، إذ يجعل كل خطوة في التحقيق خطوة داخل الذاكرة أيضًا.

أسلوب ساشيري في السرد واضح وهادئ لكنه لاذع، يعتمد على حوارات دقيقة ومشاهد قصيرة كأنها لقطات سينمائية. الإيقاع يمشي على هدوءٍ يشبه الهدوء الذي يسبق الكارثة. بعض الجمل تأتي كصفعة، وبعضها كاعتراف مُتعب من رجل يعرف أنه تأخر كثيرًا. والجميل أن الرواية لا تقدم العاطفة على الجريمة، ولا الجريمة على العاطفة، بل تمزجهما بحيث يصبح سؤال العدالة سؤالًا شخصيًا جدًا: ماذا نفعل بكل تلك الأحاسيس التي لم تُقل؟ وبكل تلك الحقائق التي لم تُكشف؟

في النهاية، «سؤال عينيها» رواية عن الحبّ حين يُدفن تحت ركام الزمن، وعن العدالة حين تصير لعبة في يد الأقوياء، وعن رجل واحد يحاول أن يكتب رواية… فيجد أنه يكتب قلبه.

ويبقى السؤال الذي ترميه الرواية في وجه القارئ:

هل كان شابورو يبحث عن الحقيقة… أم كان يبحث عمّن ينظر في عينيه أخيرًا؟

اقرأ المزيد

٥٠

أضف إلى السلة