اليوم ما قبل السعادة - إزي دي لوكا

ترجمة معاوية عبد المجيد

٤٠

رواية "اليوم ما قبل السعادة" للكاتب الإيطالي إزِّي دي لوكا عمل يكتب الحسرة بيد، والحياة باليد الثانية. دي لوكا، المعروف بجمله الخفيفة التي تحمل وزن عالم كامل، يقدّم هنا قصة صبي نابولي صغير يكبر في مدينة لا تمنح أحدًا الأمان، لكنه يجد خطًّا رقيقًا من النور عبر رجل عجوز يفتح له باب الحكمة، واللغة، والخيال. ليست الرواية عن طفولة فقط، بل عن الوعي الأول للعالم حين يكتشف الطفل أن الفقر والحرية يمكن أن يعيشا في البيت ذاته، وأن الحقيقة قد تكون أكثر رقة من القسوة التي تفرضها الحياة.

العلاقة بين الصبي والبوّاب العجوز «دون غايتانو» هي قلب الرواية وروحها. الرجل العارف بكل شيء، الذي رأى الحرب وذاق الخوف، يصبح للدبّ الصغير ظلّ أب مفقود، ونافذة على العالم الذي لا يُكتشف من الكتب وحدها. يحكي له عن الماضي، عن طرق النجاة، عن النساء، وعن تلك اللحظات التي يتوقف فيها الزمن قبل أن يتغيّر شيء في حياة الإنسان. الصبي، في المقابل، يعيد إليه شيئًا من الطفولة التي خسرها. وهكذا تتكون صداقة غير متوقعة، صداقة تكبر بصمت، وتحمل في داخلها فكرة جميلة: أحيانًا نحتاج لمن يخبرنا أن السعادة ليست حدثًا، بل استعداد داخلي لالتقاطها.

أسلوب دي لوكا في الرواية يشبه المشي في زقاق نابولي الضيق: بسيط في الظاهر، لكن مليء بالتعرّجات الصغيرة التي تقود إلى لحظة جمال غير متوقعة. لغته مقتضبة، لكنها شفافة، كأن كل جملة تمرّ عبر مصفاة من الهدوء والحكمة. ومع كل صفحة، يتداخل صوت المدينة مع صوت الراوي، ليصبح المكان ليس مجرد خلفية، بل شخصية لها نبضها وشهواتها وخوفها الخاص. نابولي هنا ليست مدينة الفقر فقط، بل مدينة الغرائز، الموسيقى، والقلق الهادئ الذي يجعل الشخصيات تبحث عن معنى أكبر من حياتها اليومية.

في النهاية، «اليوم ما قبل السعادة» رواية عن ذلك الخطّ الفاصل بين انتظار الفرح والقدرة على التعرّف إليه حين يأتي. نصّ دافئ رغم قسوته، يتذكر القارئ أن الناس يصنعون خلاصهم عبر التفاصيل الصغيرة—كلمة صادقة، يد تُمدّ، أو باب يُفتح في اللحظة الصحيحة.

والسؤال الذي تتركه الرواية معلقًا:

هل السعادة شيء نعيشه… أم أننا نعيش فقط في الأيام التي تسبقها؟

قراءة المزيد
المتبقي 0

٤٠

نفدت الكمية