المراسلات - كاواباتا و ميشيما

ترجمة معن عاقل

٤٥

كتاب المراسلات بين ياسوناري كاواباتا ويوكيو ميشيما عمل يكشف الجانب المتواري من اثنين من أعظم أصوات الأدب الياباني الحاصلين على نوبل للآداب: الأول شاعر الصمت والجمال الهشّ، والثاني كاتب الجسد والإرادة والحدّة. هذه الرسائل ليست سجلاً أدبيًا فحسب، بل نافذة على روحين مختلفتين تمامًا، اتصلتا عبر الورق أكثر مما اتصلتا في الواقع. تجتمع في الكتاب رهافة كاواباتا وقلقه الهادئ، مع اندفاع ميشيما وتمرده وافتتانه بالموت، ليشكّلا ثنائية يصعب نسيانها.

في هذه المراسلات، نرى كاواباتا وهو يكتب ببطء، بكلمات قليلة لكنها ممتلئة، كأن كل جملة تتردد في داخله قبل أن تتحرر. يحدّث ميشيما عن الكتابة، عن العزلة، عن الجمال الذي يخاف عليه من الضوضاء الحديثة. وعلى الجهة الأخرى، يظهر ميشيما كما هو: شغوف، قلق، مندفع نحو الحياة والموت في الوقت نفسه. يكتب كما يتنفس… بسرعة، حدّة، ووضوح مؤلم. من خلال هذا الاختلاف العميق، يكشف الكتاب مسافة الصداقة بين كاتبين لا يجتمعان إلا عندما يصبح الأدب لغتهما المشتركة.

الجميل في هذه الرسائل أنها تكشف لحظات الضعف التي لم تظهر أبدًا في أعمالهما المنشورة. نقرأ لقلبٍ خجول مثل قلب كاواباتا وهو يطلب الرأي بلا زهو، ونسمع صوت ميشيما وهو يحاول أحيانًا أن يتخفف من صورة “المحارب” التي صنعها لنفسه. يتحدثان عن الخوف من الفراغ، عن صعوبة الكتابة، عن القلق من الزمن، وعن اليابان التي تتغير بسرعة لا تناسب حساسيتهما. وكأن الكتاب يضع القارئ في المنتصف بين روحين تبحثان عن معنى… كل بطريقته الخاصة.

في النهاية، كتاب المراسلات بين كاواباتا وميشيما ليس وثيقة أدبية فقط، بل شهادة على الصداقة التي لا تشبه الصداقات، وعلى اختلافٍ يخلق جسرًا لا ينهار. إنه كتاب عن الأدب حين يصبح علاجًا، وعن الكلمات التي تمنح الكاتب قدرة على أن يرى نفسه بوضوح أكبر.

فهل كانت هذه الرسائل محاولة للاقتراب… أم محاولة لعدم السقوط؟

ربما كلاهما. وربما لهذا بقيت حيّة بهذا الشكل.


قراءة المزيد
تم شراءه 20 مرة

٤٥

إضافة للسلة