أليخاندرو خوسيه.. السخرية من عالم يتشكل من الهشاشة

أليخاندرو خوسيه.. السخرية من عالم يتشكل من الهشاشة

التفاهة والشهرة وما يرتبط بهما، هما موضوع رواية "أليخاندرو خوسيه" للروائي السعودي دحام المصرب، الذي يتناولهما بأسلوبٍ جمع فيه بين القصّ والتأمل، الذي أعاد عبره النظر في جميع ما يرتبط بهذين المفهومين على امتداد مراحل زمنية مختلفة، وصولًا إلى اللحظة الراهنة التي ترتبط فيها الشهرة بالتكنولوجيا عمومًا، ومواقع التواصل الاجتماعي خصوصًا، بما هي المصدّر الأول للتفاهة على اختلاف أشكالها.

يروي دحام المصرب في روايته قصة شابٍ تافه، جعلت منه مواقع التواصل الاجتماعي شخصية شهيرة غنية ومؤثرة، رغم تفاهة المحتوى الذي يقدّمه. ويمرِّر أيضًا، على هامش القصة وفي متنها، مجموعة من الملاحظات التي تفسِّر أسباب شهرة بطله، أليخاندرو خوسيه، في محاولةٍ منه على ما يبدو للوقوف على الأسباب والعوامل التي تجعل من التافهين شخصيات شهيرة من جهة، وتقبُّل الجمهور لها ولتفاهتها، وترويجها أيضًا بقصدٍ أو بغير قصد، من جهةٍ أخرى.

أليخاندرو خوسيه نموذج للشخصيات التافهة التي تصبح، بفعل تفاهتها، شخصيات مؤثرة ذات سلطة ونفوذ، على الأقل في مواقع التواصل الاجتماعي. وعبر هذا النموذج، يحاول المصرب وضع القارئ أمام ما يحدث في ما يمكن وصفه بالعالم الخلفي، أو السري، للمؤثرين وطرقهم لا في بناء شهرتهم فقط، وإنما في الحفاظ عليها وزيادة نسب مشاهداتهم.

هكذا، يضع الروائي السعودي قارئه أمام عالمٍ غير أخلاقي يرى روّاده في الشهرة "فن الفضائح"، وفي العائلة والأصدقاء مجرد أدوات يمكن استثمارها في كسب المزيد من المشاهدات التي يلجأون، بهدف تحقيق نسبٍ عالية منها، إلى معارك مفتعلة، ومتفق عليها مسبقًا، مع مؤثرين آخرين لا يعنيهم منها سوى حصد المشاهدات، والتحول إلى "ترند".

إلى جانب القصة التي تقدّم فهمًا شاملًا لسلوك المؤثرين وآليات عملهم، وطرقهم في الحفاظ على شهرتهم وتوسيعها، تطرح الرواية، بقصدٍ أو بغير قصد، مجموعة من الأسئلة الجادة حول الشهرة والتفاهة والثقافة والسياسة، وطبيعة العلاقة بين المثقف والمؤثر، وتأثير كلٍ منها على الآخر وعلى المجتمع والجماهير، وصولًا إلى العلاقة بين الشخصيات الشهيرة/ المؤثرة والسياسة، بصفتها علاقة إشكالية تستدعي التأمل والبحث وإعادة النظر في تفاصيلها وخلفياتها وتداعياتها أيضًا.

هذا بالضبط ما يفعله دحام المصرب في أحد فصول روايته، الذي خصصه للحديث عن خلفيات وتداعيات وصول شخصية تافهة لكنها تحظى بشهرة واسعة، مثل دونالد ترامب، إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية بصفته مثالًا على قدرة المشاهير على الوصول إلى السلطة ومراكز صنع القرار في الدولة.

يطرح الروائي السعودي هذه الأسئلة، وغيرها، في سياق محاولته تقديم ما يساعد على فهم هذه الظاهرة التي يناقش، لأجل فهمها، مجموعة من القضايا التي ترتبط بها بطريقة أو بأخرى، ومنها الديمقراطية التي يستدعي الحديث عنها حديثًا آخر مطول عن العامة، والرعاع، والنخب، والتأثير بالجموع والتأثّر بهم. بالإضافة إلى مناقشة أفكار سياسية ودينية وفلسفية مختلفة على علاقة بموضوع الرواية، مثل الماركسية والشيوعية والرأسمالية، إلى جانب أفكار هيغل ونيتشه ولينين وماو تسي تونغ وغيره.

"أليخاندرو خوسيه" رواية تسلط الضوء على ظاهرة تستدعي بحثًا معمقًا، ودراساتٍ جادة، لا تقتصر على تأثيرها على اللحظة الراهنة فقط، حيث يبدو العالم بفعلها عبارة عن مهزلة، بل تشمل أيضًا آثارها المحتملة على مستقبل البشرية التي تتجه، نتيجة ما يترتب عليها، نحو المجهول.