رواية "ملكمن "للكاتبة الإيرلندية الشمالية آنا برنز عملٌ ينتمي إلى تلك الفئة النادرة من النصوص التي لا تكتفي برواية قصة، بل تصنع لغة جديدة لفهم الخوف. برنز، الحائزة على جائزة البوكر عن هذه الرواية، تبني عالمًا يخلو من الأسماء، لكنه ممتلئ بالتهديد؛ عالمًا لا يحتاج إلى تحديد المكان لأن الرعب فيه واضح بما يكفي: مجتمع منقسم، مدينة تعيش على التوتر، وامرأة شابة تحاول النجاة من العيون التي لا ترمش. «ملكمن» ليست رواية عن الحرب الأهلية مباشرة، لكنها رواية عن كيف يعيش الجسد حين يصبح الخوف هو الهواء الوحيد المتاح للتنفس.
تسير الحكاية عبر صوت البطلة التي لا نعرف اسمها، فتاة تمضي في حياتها اليومية بصرامة بقاء؛ تقرأ أثناء المشي لتتجاهل العالم، تتفادى الأسئلة، وتراقب كل حركة في الشارع كأنها جزء من طقوس النجاة. ظهور “الملكمان” ذاك اللقب لرجل بلا اسم، قوته أكبر من حجمه، وسلطته تُمارس عبر الخوف والصمت -الرجل الذي يطاردها بجاذبية قسرية وتهديد مُبطّن- يقلب عالمها الهش رأسًا على عقب. برنز لا تقدّم هذا التهديد كفعل مباشر، بل كظلّ يطول تدريجيًا فوق جسد البطلة: رجل معروف، نافذ، لا يُقال له “لا”. هكذا تتحول الرواية إلى دراسة مرعبة عن السلطة غير المرئية… السلطة التي تتحرك بالإشاعة، بالنظرة، وبالصمت.
أسلوب برنز فريد: جُمَل طويلة، لاهثة، مليئة بتكرار مقصود يشبه الوعي حين يتعرّض للضغط. كل فقرة تُكتب كأنها تدفّق ذهني محاصر، لغة تمتلئ بالهامش لأن الهامش في هذا العالم أخطر من المتن. السرد هنا يشبه المشي في مدينة ملغّمة: خطوة آمنة، ثم خطوة على شفير حفرة. وتكشف برنز عن العنف الاجتماعي لا بالعنف نفسه، بل بالزمن الذي يتآكل، بالقلق الذي يمنع النوم، وبذلك الشعور الملتصق بالجلد بأن أحدهم يراقبك حتى داخل أفكارك. حتى العلاقات العائلية—الأم، الأخوات، الجيران—تتحول إلى شبكة ضغط إضافية، لأن الجميع يعيش الخوف ذاته لكن كلٌ يواجهه بطريقته الخاطئة.
في النهاية، «ملكمن» ليست رواية عن المطاردة… بل عن المجتمع حين يصبح هو المطارد. نصّ يفتح صدره على كل أنواع القلق: القلق السياسي، الأخلاقي، النسائي، والوجودي. رواية لا تُقرأ للمتعة فقط، بل لفهم كيف يمكن للسلطة أن تخترق حياة فرد واحد دون أن تلمسه.
ويبقى السؤال الذي تتركه الرواية يُطارد القارئ بدوره:
هل الهروب ممكن… أم أن بعض المدن لا تتركك حتى بعد أن تغادرها؟