بورغو سود - دوناتيلا دي بيترانطونيو

ترجمة أماني فوزي حبشي

٤٥

رواية بورغو سود" لدوناتيلّا دي بيترانطونيو امتداد للعالم القاسي والرقيق في آن الذي شيّدته في «المعادة»، لكنها هنا تذهب إلى منطقة أكثر نضجًا وظلامًا: علاقة الأختين وقد نضجتا، وكلّ منهما تحمل ندوب الماضي تحت جلدها. الرواية ليست تكملة شكلية، بل تصحيح عدسة؛ فيها تنقلب الأدوار القديمة، ويظهر أن الطفولة لم تكن سوى الفصل الأقلّ قسوة. الكاتبة تكتب بوعي امرأة تعرف أن الجراح لا تُشفى، بل تتغيّر أشكالها فقط، وأن الماضي لا يعود ليُروى… بل ليحاسب.

هنا نتابع الراوية وقد هربت من الريف إلى حياة جديدة، حياة مستقرة بالحدّ الأدنى، إلى أن تعود إليها أدريانا مثل عاصفة: مضطربة، شجاعة، متعبة، ومثقلة بقرارات أضاعت حياتها. العلاقة بينهما تشتعل من جديد، ليست حنينًا ولا دفئًا، بل خليطًا من الحبّ الذي لا يخمد والمرارة التي لا تُمحى. في كل لقاء بينهما، نرى كيف أن الأخت ليست مرآة فقط، بل جسرًا إلى الماضي الذي نحاول نسيانه. تورّط أدريانا في علاقة تدمّرها ببطء، ومحاولتها البائسة للنجاة، يضعان الأخت الكبرى أمام سؤال مرير: هل يمكن إنقاذ شخص لا يريد أن ينقذ نفسه؟

أسلوب دي بيتريتّونيو في “بورغو سود” أكثر شدّة وتركيزًا من أعمالها السابقة. الجملة قصيرة، تضرب دون مقدمات، كأن الكاتبة تكتب بسكّينٍ تقطع ما يلزم وتترك اللحم العاري أمام القارئ. خلف الفقر، خلف الشوارع الضيقة والبيوت التي تبتلع الضوء، هناك إحساس دائم بأن الشخصيات تُقاد إلى مصيرها لا بيد القدر، بل بيد خيارات صغيرة كانت تؤجلها طوال حياتها. الرواية لا تتوسل التعاطف، لكنها تُلزم القارئ بأن يرى: يرى الحبّ حين يتحول إلى قيد، ويرى العائلة حين تصبح مصيدة، ويرى أن الروابط العاطفية قد تكون أقوى من كل ما نحاول الهرب إليه.

في النهاية، "بورغو سود" ليست رواية عن الأختين فقط، بل عن تلك العلاقات التي تعود دائمًا مهما أغلقنا الباب. عمل يذكّر القارئ بأن الروابط العائلية لا تتحلل، بل تعود بأشكال جديدة تطالب بالاعتراف والعدالة والشفاء.

فهل يمكن لامرأة أن تُعيد بناء حياتها بينما نصف قلبها ما يزال عالقًا في “بورغو سود”؟

وهل يكون الحبّ خلاصًا… أم حكمًا مؤبّدًا لا يُستأنف؟


قراءة المزيد
تم شراءه 8 مرات
المتبقي 2

٤٥

إضافة للسلة