هجر - عبد الرزاق قرنح

ترجمة: نوف الميموني

٥٠

الروائي التنزاني-البريطاني عبد الرزاق قرنح، الحائز على جائزة نوبل في الأدب عام 2021 تقديرًا لاختراقاته الحنونة والعميقة لآثار الاستعمار ومصائر اللاجئين العالقين بين الثقافات، يقدّم في روايته "الهجر" عملًا يتحرك في مساحات الصمت والغياب. الرواية حظيت بإشادة نقدية واسعة، ووصفتها المجلات الأدبية الكبرى بأنها من أكثر أعمال قرنح تأملًا وإنسانية، لأنها لا تصرخ بما تريد قوله، بل تهمس به ببطءٍ يليق بالجراح القديمة.

تمضي الحكاية في إيقاعٍ داخليٍّ هادئ؛ رجلٌ اسمه عمر يصل إلى مدينة ساحلية باحثًا عن عزلةٍ من ماضيه، ليعثر مصادفةً على رسالة حبٍّ قديمة في بيتٍ غريب. تلك الورقة الصغيرة تفتح أمامه أبوابًا لماضٍ لا يعرفه، وتوقظ فيه أسئلة عن الهوية والانتماء والحبّ المؤجّل. يبدأ عمر بتقصّي أصحاب الرسالة في رحلةٍ تُشبه الغوص في الذاكرة الجماعية أكثر من كونها بحثًا عن شخصين مجهولين. الرسالة، بما تحمله من شوقٍ قديمٍ وضياعٍ ناعم، تصبح مرآةً يطلّ منها البطل على نفسه، وعلى عالمٍ تمزّقه المنفى الداخلي والهجرات الصغيرة التي تترك آثارها في القلب والذاكرة.

لا يقدّم قرنح الأحداث بعنفٍ أو تصعيدٍ درامي، بل يجعلها تتكشّف ببطءٍ يشبه تسرّب الضوء من تحت الأبواب. لغته شفافة، مشحونة بالتأمل والسكينة، يكتب عن الألم بيدٍ رحيمةٍ لا تلوّح بالشعارات. ومن خلال شخصية عمر، يرسم ملامح إنسانٍ منفيٍّ في وطنه، يواجه العنصرية الخافتة والاغتراب الهادئ، ويبحث عن ذاته في عالمٍ يضعه دومًا على الهامش. هنا يفضّل الكاتب الهمس على الصراخ، والانتظار على الاندفاع، كأنه يكتب عن أولئك الذين لا يملكون صوتًا سوى الحنين.

في النهاية، "الهجر" ليست رواية عن الرحيل بقدر ما هي عن الفراغ الذي يخلّفه الغياب، وعن الأسئلة التي لا تنتهي حين نحاول فهم معنى الوطن والذاكرة والحبّ. رواية رقيقة ومؤلمة، تشبه رسالةً كُتبت لتضل طريقها عمداً. فهل الهجر خيارٌ أم مصير؟ وهل الماضي الذي نهرب منه… هو في الحقيقة من تركنا أولاً؟

قراءة المزيد
تم شراءه 7 مرات

٥٠

إضافة للسلة