حجر العلا - ياسر الهواوي

٣٠

في "حجر العلا" لا تُستدعى العلا بوصفها مكانًا أثريًا جامدًا، بل ككائن حيّ، ذاكرة تتنفس، وحجر يحتفظ بما مرّ عليه من بشرٍ، وقصص، وغياب. الرواية لا تبدأ من الحدث بقدر ما تبدأ من الإحساس بالمكان، من ثقل الحجر حين يتحول إلى شاهد، وحين يصبح الصمت لغةً أصدق من الكلام. هنا، لا تُستخدم الجغرافيا كخلفية، بل كبنية سردية، كقوة خفية تُشكّل الشخصيات وتوجّه مصائرها دون أن تطلب الإذن.

يمضي السرد متأنيًا، متشابكًا بين الحاضر وما تراكم تحته من طبقات، حيث تتقاطع الحكايات الفردية مع الذاكرة الجمعية، ويصبح الإنسان جزءًا من تاريخٍ أطول منه بكثير. الشخصيات تتحرك داخل هذا الفضاء الحجري وهي مثقلة بأسئلتها: الانتماء، الفقد، العلاقة مع الماضي، ومع ما لا يمكن استعادته. لا أحد في الرواية يملك الحقيقة كاملة، وكل محاولة للفهم تصطدم بما كُتم، أو ما اختار المكان أن لا يكشفه دفعة واحدة.

يكتب الهواوي بلغة تميل إلى التكثيف، وتراهن على الإيحاء أكثر من الشرح. التفاصيل الصغيرة لها وزنها: ممر، نقش، ظلّ صخرة، نظرة صامتة. من خلالها يتشكّل الإيقاع، وتتصاعد الأسئلة دون افتعال. النص لا يسعى إلى بطولات فردية، بل يلتقط هشاشة الإنسان أمام الزمن، وأمام مكانٍ ظلّ قائمًا بينما تغيّر كل من مرّ به. الحجر هنا ليس صلبًا فقط، بل ذاكرة عنيدة، تحفظ ما حاول البشر نسيانه.

حجر العلا رواية عن العلاقة المربكة بين الإنسان وماضيه، وعن محاولة فهم الذات من خلال مكان يسبقنا جميعًا. عمل يطلب من القارئ الصبر، لا لأنّه غامض، بل لأنّه يعرف أن بعض المعاني لا تُعطى بسرعة. والسؤال الذي يظلّ معلقًا بعد الصفحة الأخيرة:

هل نقرأ الأماكن… أم أن الأماكن هي التي تقرأنا، وتترك فينا أثرها قبل أن نغادرها؟


قراءة المزيد
تم شراءه 135 مرة

٣٠

إضافة للسلة