الكاتب البوسني-الألماني ساشا ستانيشيتش، الذي فاز عن هذا العمل بجائزة الكتاب الألماني لعام 2019، يقدّم رواية أشبه بسيرة متفرّدة تمزج بين الذاكرة والخيال، بين الفكاهة والحنين، في رحلة بحث وتفكيك لمعنى "الأصل" والانتماء والذاكرة والهوية.
في الأصول (Herkunft)، يصبح مكان الولادة أوّل صدفة تصوغ مسار الإنسان، لكن ستانيشيتش يُعيد تفكيك هذه الصدفة، باحثًا عن الوطن بين الحرب والمنفى واللغة الجديدة. من طفولته في يوغوسلافيا الممزقة (البوسنة والهرسك)، إلى سنوات اللجوء والاندماج في ألمانيا، يرسم الكاتب خريطة شخصية-جماعية للهوية، حيث الانتماء ليس حقيقة راسخة، بل عملية مستمرة من إعادة البناء. النص يفتح مساحة للتساؤل: ما الذي يصنع "الأصل"؟ هل هو الدم، اللغة، الأرض، أم القصص التي نحملها ونكررها حتى تصبح حقيقتنا؟
القارئ يجد نفسه أمام مقاطع غير خطية، تتنقل بين مشاهد طفولة في قرية صغيرة، وصور جدّة تغالب الخرف بينما يصف الكاتب فقدان الذاكرة بأنه "عدم التواجد في المكان الذي ترغب أن تكون فيه"، تتقاطع مع هذه اللحظات شخصيات واقعية وأخرى خيالية: الجد الذي يحب الحليب، الشرطي الذي يطلب رشوة، والقصص التي يمكن أن تُختلق حتى في محطات الوقود. كل ذلك ليؤكد أن الحكاية نفسها تصبح وسيلة للبقاء، ولحفظ ما يوشك أن يُمحى.
أسلوب ستانيشيتش سلس ومرح، سيجعلك تضحك وتختنق في آن. كتابته شاعرية جدًا، مضحكة أحيانًا، حزينة دائمًا، وذكية بعمق، كما لو أنها تعكس تعددية هويته نفسها. وفي الفصل الأخير ستكون صدمة القارئ، يترك الكاتب النهاية مفتوحة، ولكن بشكل مختلف سيجعل القارئ يتفاعل ويختار نهاية القصة! وكأنه يذكّرنا بأن الأصل ليس قيدًا، بل مشروعًا يمكن أن يُعاد صياغته مرارًا!!
هنا يلمع سؤال: هل الأصل هو ما يُفرض علينا بالولادة، أم ما نعيد نحن صياغته عبر الذاكرة واللغة والخيال؟ وهل يكون الانتماء أكثر صدقًا حين نتعامل معه كاختراع مستمر لا كحقيقة جامدة؟! عمل ستخرج منه ليس كما دخلت.