التقاط روح - سراء بنت عبدالله

٣٠

في "التقاط روح" تكتب سراء عبدالله نصًا يقع على التخوم بين السرد الاعترافي والرواية النفسية، حيث لا تسعى إلى صناعة حبكة تقليدية بقدر ما تقترب من تفكيك تجربة إنسانية هشّة من الداخل. البطلة «مي» ليست شخصية بطولية ولا حالة استثنائية، بل امرأة تبدو قوية في ظاهرها، بينما تتآكل بصمت تحت ضغط الفقد والمرض والأسئلة التي لا تجد لها لغة جاهزة. منذ الصفحات الأولى يعلن النص موقفه بوضوح: هذه ليست رواية عن الجنون، بل عن التعب، عن لحظة الانكسار حين لا يعود الصمت حماية بل عبئًا.

يمضي السرد مع «مي» في مسار داخلي كثيف، يتقاطع فيه فقد الأب، وتعثّر الحلم المهني، وتجربة المرض النفسي، مع محاولات متكررة لفهم الذات لا للهروب منها. المستشفى، المخزن، الغرفة البيضاء، والبحر ليست أماكن عرضية، بل فضاءات نفسية تعكس حالات الوعي والانكسار والعودة البطيئة إلى الحياة. لا تُقدَّم النوبات ولا العلاجات بوصفها وصمة، بل كجزء من رحلة شاقة لا تبحث عن بطولة، بل عن هدنة مؤقتة مع الألم، وعن خيط ضوء صغير يكفي للبقاء.

اللغة هنا هادئة، مباشرة، تميل إلى الاعتراف أكثر من الزخرفة، وتستبدل المجاز الكبير بتفاصيل صغيرة: وردة، دفتر، نافذة، صورة غائبة. الكتابة نفسها تصبح أداة نجاة، لا لتجميل الوجع، بل لتسميته ووضع الإصبع عليه. السرد لا يعد بالشفاء الكامل، بل يقترح القبول بوصفه بداية، والإيمان بأن الروح قد تتعب لكنها لا تموت، وأن النقص ليس نقيض الحياة بل شرطها الإنساني.

التقاط روح عمل يقترب من القارئ دون ضجيج، ويخاطب من عرفوا معنى الانكسار الصامت، ومن ساروا على الحافة بين الانهيار والرغبة في النهوض. هو نص عن التقاط الذات من قلب العاصفة، لا بالإنكار، بل بالمواجهة الهادئة. والسؤال الذي يتركه مفتوحًا: هل يكفي أن نفهم وجعنا كي نبدأ النجاة… أم أن الشفاء رحلة لا تنتهي، بل نتعلّم فقط كيف نسير فيها بقلوب أصدق؟


قراءة المزيد

٣٠

إضافة للسلة