كل الحيوانات الصغيرة - ووكر هاميلتون

ترجمة شوقي برنوصي

٣٥

رواية "كل الحيوانات الصغيرة" للكاتب الإسكتلندي ووكر هاميلتون عمل نادر، كثيف، وموجع في بساطته، يروي حكاية طفل يهرب من العالم لا بحثًا عن المغامرة، بل عن النجاة. هذه الرواية الصغيرة في حجمها تمتلك قلبًا كبيرًا، وتُكتب بنبرة لا تنسى، لأنها تمضي مباشرة إلى أكثر منطقة هشّة في الإنسان: تلك اللحظة التي يُدفع فيها طفل للتعامل مع قسوة تفوق عمره. يضع هاميلتون بطله، الصبي الخجول «بوبي»، في مواجهة عالم يراه خطيرًا ومشوَّهًا، ويمنحه رحلة هروب تتحول شيئًا فشيئًا إلى رحلة اكتشاف للذات، ولنوع آخر من الرحمة التي لم يعثر عليها بين البشر الكبار.

تبدأ الحكاية بأن يفقد بوبي أمه، تاركة إيّاه تحت رحمة زوجٍ قاتم السلوك، رجل قاسٍ يحوّل حياة الطفل إلى فخّ رعب يومي. عندها لا يجد بوبي سوى الهرب، هرب بحجم الروح، يدفعه إلى الغابات والطرقات الريفية حيث يلتقي رجلاً غريبًا يعيش وحيدًا: «السيد سومنر»، أو كما يلقّبونه «الأخ». هذا الرجل الذي يلتقط الحيوانات الصغيرة المصابة ويعتني بها حتى تموت بسلام، يصبح الملاذ الوحيد للطفل. العلاقة بينهما تُشبه حوارًا بين جرحين، أحدهما قديم والآخر ما زال ينزف. يجد بوبي أخيرًا من يسمع خوفه، ويمنحه مساحة ليكون طفلًا، ولو للحظة.

أسلوب هاميلتون في الرواية رقيق من الخارج، لكنه مشحون بقدر كبير من الألم المكبوت. الجمل قصيرة، مترددة، كأن الراوي يخشى أن يجرح الطفل بالكلمات. الطبيعة الريفية، الأصوات الهادئة، الحيوانات التي تبحث عن ملاذ أخير، كلها تتحول إلى استعارات لتلك الأرواح الصغيرة التي تواجه عالمًا أكبر من طاقتها. العلاقة بين بوبي والسيد سومنر تُكتب بتدرج حسّاس، لا كعلاقة تبنٍّ أو إنقاذ، بل كتحالف بين كائنين هشّين يحاول كل منهما أن يمنح الآخر سببًا للاستمرار. ومن خلالهما، يكشف هاميلتون عن معنى جديد للشفقة، وكيف يمكن للرحمة أن تنبع من المهمّشين لا من الأقوياء.

في النهاية، «كل الحيوانات الصغيرة» ليست رواية عن طفل هارب، بل عن هشاشة الإنسان حين يصبح العالم غير قابل للاحتواء. إنها حكاية عن اللطف كفعل مقاومة، وعن محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه—even إن كان شيئًا صغيرًا مثل طائر مكسور الجناح أو طفل يبحث عن مكان آمن.

ويبقى السؤال الذي تطرحه الرواية دون أن تجيب عنه:

هل يملك الضعفاء حقّ النجاة… أم أن العالم لا يتسع إلا لمن يعرف كيف يعضّ أولًا؟

اقرأ المزيد
تم شراؤه 16 مرة

٣٥

أضف إلى السلة