إعجاب بالصمت - عبد الرزاق قرنح

ترجمة: إسكندر حمدان

٤٥

من بين أكثر أعمال عبدالرزاق قرنح خصوصية وهدوءًا تأتي رواية «إعجاب بالصمت»، العمل الذي يتحدث فيه الكاتب التنزاني-البريطاني الحاصل على جائزة نوبل للآداب عن الغربة بوصفها تجربة داخلية قبل أن تكون جغرافية. في هذا النصّ، الذي يُعد من أكثر أعماله تأمّلًا، يقدم قرنح راويًا بلا اسم، كأنه منذ البداية يشكّك في حقّه في امتلاك هويةٍ واضحة. شابٌّ أفريقيٌّ يترك وطنه المضطرب إلى بريطانيا، ليبدأ هناك حياةً جديدةً مكوّنة من الأكاذيب الصغيرة، من أسماء مُستعارةٍ وصمتٍ طويلٍ يتيح له البقاء دون مواجهةٍ مع ماضيه أو ذاته.

في المهجر، يصبح الراوي معلّمًا، ويقع في حبّ امرأة بريطانية ويربّي ابنتها، لكنه يُدرك تدريجيًا أن ما بناه ليس استقرارًا بل هدنة هشة، مؤقتة مثل التأقلم نفسه. تمر السنوات، وتتفكك العلاقة، ويتسلّل الخواء إلى حياته، فيقرر العودة إلى بلده بعد عشرين عامًا من الغياب. غير أن العودة لا تشبه العودة أبدًا؛ الوطن تغيّر، والعائلة نسيت ملامحه، والنظام السياسي صار يخاف من الذاكرة أكثر مما يخاف من النسيان. يجد نفسه غريبًا في المكانين: المنفى الذي ظنّه بيتًا، والوطن الذي صار غريبًا عنه.

الرواية لا تتوقف عند سؤال الهجرة، بل تختبر المسافة بين اللغة والصمت، بين الحكاية وما لا يُقال منها. فالراوي يحكي لكنه يحرّف، يتحدث لكنه ينتقي كلماته، يخاف أن يقول كل شيء لأن اللغة نفسها لم تعد ملاذًا آمنًا. يستخدم الصمت كآلية بقاء، لا صمت الانسحاب بل صمت المراقبة والتكيّف؛ صمت من يعرف أن أي كلمة قد تفضحه. ومن خلال هذا الصمت، يكشف قرنح هشاشة الاندماج الثقافي، وضياع الهوية بين ثقافتين لا تمنحان الإنسان مكانًا كاملًا تحت الشمس.

في النهاية، «إعجاب بالصمت» ليست رواية عن الهجرة أو العودة فحسب، بل عن العيش في الظلّ باختيارٍ أو اضطرار، عن الإنسان الذي يكتشف أن بعض الحقائق لا يمكن قولها لأنها تفقد معناها فور النطق بها. بلغةٍ هادئةٍ ومشحونةٍ بالأسئلة، يكتب قرنح عن ذلك الصمت الذي لا يساوي الفراغ، بل يمتلئ بكل ما لا تستطيع اللغة قوله.

فهل يمكن للصمت أن يعوّض ما لم تستطع اللغة أن تنطقه؟

ومن نكون حين نصبح غرباء في المكانين: في الوطن والمنفى معًا؟

قراءة المزيد
تم شراءه 8 مرات

٤٥

إضافة للسلة