وحكايات أخرى - غيورغي غوسبودينوف

ترجمة خيري حمدان

٤٠

في "وحكايات أخرى" يقدّم الكاتب البلغاري غيورغي غوسبودينوف—أحد أبرز أصوات أوروبا الشرقية المعاصرة والحائز لاحقًا على جوائز دولية كبرى—كتابًا يواصل فيه مشروعه الأدبي القائم على تفكيك الذاكرة وصناعة المعنى من تفاصيل تبدو هامشية لكنها تحمل قوة حياة كاملة. لا يكتب غوسبودينوف قصصًا تقليدية، بل يبني كتابًا أشبه بصندوق ممتلئ بحكايات صغيرة، متقلبة، تتجاور فيه الأسطورة بالعادي، والوجع بالحنين، والواقع بالفانتازيا الخفيفة. الكتاب يقدّم عالمًا يتكوّن من قطع مبعثرة من الطفولة، المدن، الخسارات، والعثرات اليومية التي تتجمع لتصنع بورتريهًا داخليًا لإنسان يطارده زمن لا يمكن الإمساك به.

الحكايات في هذا العمل قصيرة، لكنها تمتد أبعد من حجمها. بعضها يكتب اللحظة كما هي: رجل يتذكر لعبة قديمة، امرأة تبحث عن ظلّها، طفل يخاف من صمت البيت. وبعضها يذهب إلى مناطق غرائبية، كأنها شظايا من حلم لم يكتمل. غوسبودينوف لديه قدرة على تحويل أبسط موقف إلى سؤال وجودي، وعلى جعل الذاكرة لا مجرد خزان للماضي، بل كائنًا يتحرك ويتنفس ويعيد تشكيل الحاضر. كل حكاية تبدو كحافّة لبوابة أكبر، تفتح على قصة لا تُروى بالكامل، وهذا ما يمنح الكتاب سحره: الإحساس بأن وراء كل جملة حياة كاملة محشورة بصمت.

أسلوب الكاتب هنا نقيّ، محسوب، لا يعتمد على الزخارف بل على الجملة القصيرة التي تلمع فجأة مثل ومضة. هناك شعرية عالية لكن بلا افتعال، وفلسفة عميقة لكنها لا تعطل السرد. الإيقاع الهادئ يخدع القارئ في البداية، ثم يفاجئه بلكمات شعورية تأتي من حيث لا يتوقع. الشخصيات—حتى حين تظهر لثلاث جمل فقط—تترك أثرًا طويلًا، لأن الكاتب لا يعاملها كأدوار، بل ككائنات لها حق الظهور، ولو لثوانٍ. ويظل الزمن هو البطل الخفي للحكايات: زمن يهرب باستمرار، وزمن نحاول القبض عليه عبر الكلمات.

في النهاية، «وحكايات أخرى» كتاب عن الإنسان حين يصبح كومة من الذكريات الناقصة، وعن العالم حين يُرى من زاوية صغيرة لكنها مضيئة. إنه عمل يعلّم القارئ أن الحكاية ليست بحجمها… بل بقدرتها على كشف شيء من قلبه.

ويبقى السؤال الذي يتركه الكتاب معلّقًا كجرس خافت:

هل نبحث في الحكايات عن الماضي… أم نبحث فيها عمّن كنا يمكن أن نصبح؟

قراءة المزيد
تم شراءه 12 مرة
المتبقي 0

٤٠

نفدت الكمية