غيرة - ناهد أوريك

ترجمة جهاد الأماسي

٤٠

رواية "غيرة" للكاتب التركي ناهد أوريك عمل يتنقّل بثقة بين الداخل والخارج، بين ما يُقال وما يُخفى، ليقدّم حكاية عن واحدة من أكثر المشاعر الإنسانية هشاشة وقسوة: الغيرة. لا يقدّم أوريك الغيرة كعاطفة عابرة، بل كشبكة خفية تتحرك تحت الجلد، وتغذّي نفسها على الصمت، الأسرار، والخيالات الخاطئة. الرواية تتحرك في فضاء نفسي ضيق، كأنها غرفة بلا نوافذ، تُمثّل مكانًا تصبح فيه كل نظرة، وكل كلمة، وكل حركة، احتمالًا للانفجار. هذا الأسلوب يجعل القارئ محاصرًا داخل عقل الشخصيات بنفس القدر الذي تحاصر فيه الشخصيات نفسها.

تدور أحداث الرواية حول زواج يبدو متماسكًا على السطح، لكنه يتصدع من الداخل. العلاقة المحورية بين الزوجين ليست علاقة حبّ أو خصومة، بل علاقة غارقة في التوتر غير المنطوق. أوريك يتقن تصوير التحوّل البطيء للمشاعر: كيف يمكن لابتسامة عابرة أو اهتمام غير مقصود أن يتحول إلى شرارة. وبذكاء سردي، يبني شخصية الزوج على تناقض، فبداخله خوف من الفقد، ومن حوله عالم يشعل ذلك الخوف دون قصد. الغيرة هنا ليست مناسبة درامية، بل مناخ كامل، يختبر فيه الإنسان مدى صلابته، ويواجه صورته التي يكره الاعتراف بها: أنه ضعيف أمام الآخر.

أسلوب أوريك بسيط في الظاهر لكنه ينفذ إلى العمق سريعًا. يعتمد على المشاهد المختزلة، والحوار المقتصد، والتكرارات الهادئة التي تزيد الإيقاع توترًا. كل مشهد في الرواية يحسّس القارئ بأن هناك طبقة مخفية تحت الجملة، وأن الانفجار النفسي قادم لا محالة. الشخصيات تُراقب بعضها أكثر مما تتحدث، وكأن الرواية تقول إن الغيرة فعل مراقبة قبل أن تكون شعورًا. ومع تزايد الضغط الداخلي، تصبح الرواية دراسة دقيقة للمسافة بين ما نعتقد أننا نراه… وما يصنعه خيالنا من مجرّد صدفة.

في النهاية، غيرة ليست رواية عن الخيانة الفعلية، بل عن الخيانة التي يخلقها الخوف نفسه. إنها رواية عن تهشّم الثقة من الداخل، وعن الإنسان حين يصبح أسير نظراته وشكوكه، لا أفعال الآخرين. ويبقى السؤال الذي يشعل القارئ بعد آخر صفحة:

هل الغيرة دليل حب… أم دليل خوف من حقيقة لا نملك الشجاعة لمواجهتها؟

قراءة المزيد
تم شراءه 15 مرة
المتبقي 0
رقم الموديل
0051

٤٠

نفدت الكمية