كتاب «برفقة الريح» للمخرج والشاعر الإيراني عباس كيارستمي ليس نصًا تقرؤه بقدر ما تصغي إليه. كيارستمي، الذي حمل رؤيته السينمائية إلى العالم ومنح الصورة اليومية عمقها الشعري، يكتب هنا بنفس الصفاء الذي ميّز أفلامه: جُمل قليلة، بياض واسع، ومسافة صامتة بين الكلمات تشبه تلك اللحظات التي يتوقف فيها الزمن كي يسمح للروح أن تتنفس. الكتاب ليس تجربة قراءة عادية، بل تجربة إقامة داخل سكينةٍ تتشكل من الضوء والهواء.
يتنقل كيارستمي بين التأملات، الشذرات، المشاهد القصيرة، وكأنه يصوّر الكلمة لا يكتبها. الطبيعة تحضر كأنها شخصية: الريح، الشجر، الثلج، الطريق، شعاع الضوء على نافذة، خطى عابر مجهول… كلها تتحول إلى إشارات خفيفة تشكّل بداخل القارئ إحساسًا بالامتلاء رغم قلة الكلام. كيارستمي لا يفسّر العالم؛ هو فقط ينظر إليه، ويترك للقارئ أن يكمّل الصورة: ما الذي تقوله الريح؟ ولماذا تبدو الأشياء اليومية أثقل من معناها؟
أسلوبه هنا هو امتداد مباشر لسينماه: الكاميرا الهادئة، الإيقاع البطيء، الانتباه المدهش للتفاصيل الصغيرة. في الكتاب تظهر هذه الروح على شكل نصوص قصيرة، شفافة، لكنها تحمل ثقل الأسئلة الكبرى—الموت، العزلة، الحب، الطريق، والبحث عن المعنى. وبين كل سطر وسطر هناك فراغ محسوب، مساحة يدعو فيها القارئ ليشارك في كتابة النص، وليعيد ترتيب صوته الداخلي وفقًا لإيقاع كيارستمي الخافت. إنه كتاب لا يقدّم أجوبة، بل يفتح بابًا للإنصات.
في النهاية، «برفقة الريح» عمل عن العيش ببطء، عن ملاحظة ما نمرّ فوقه يوميًا دون أن نراه. كتاب يجعل القارئ يعيد اكتشاف العالم عبر بساطة التجربة، ليجد أن الريح ليست حركة في الهواء فقط، بل مرآة للروح حين تبحث عن خفتها الخاصة. وتبقى الأسئلة التي يتركها العمل تتردد بصوت منخفض:
هل نمشي برفقة الريح… أم أن الريح هي التي تمشي برفقتنا؟