بيريرا يدعي - أنطونيو تابوكي

ترجمة معاوية عبد المجيد

٤٠

رواية "بيريرا يدّعي»للكاتب الإيطالي أنطونيو تابوكي واحدة من تلك الأعمال التي تضع القارئ في قلب سؤال أخلاقي لا يهدأ: هل يمكن لرجل عادي، خائف، منهك، وغير معني بالسياسة، أن يتحوّل فجأة إلى ضمير مرحلة؟ تابوكي، المعروف بعمقه الأخلاقي وقدرته على الجمع بين الرهافة والحدة، يكتب هنا نصًا صغير الحجم لكنه ثقيل بما يكفي ليبقى في الذاكرة طويلاً. بيريرا، الصحافي الأرمل الذي يعمل في صفحة ثقافية باهتة، يبدو في البداية شخصية لا يمكن التعويل عليها… ثم يتبيّن أنه الشخص الذي سيواجه التاريخ بطريقة لم يتوقعها هو نفسه.

تدور الرواية في زمن يزداد فيه الخوف كثافة، وتضيق فيه المساحة بين الحقيقة والكذب. بيريرا رجل متعب، يلجأ إلى الأدب والترجمة والذكريات كي يهرب من الواقع الذي يتغوّل على المدينة. لكن لحظة لقائه بالشاب مونتيرو تغيّر إيقاع حياته بالكامل. يطلب منه الشاب فرصة، فيجد بيريرا نفسه أمام مواقف لا تشبه طبيعته الانعزالية: مقالات مقاومة، رائحة خطر تتسلّل من كل زاوية، ووعي جديد بأنه لم يعد يستطيع البقاء صامتًا. ومن خلال هذا التحوّل البطيء، يكشف تابوكي عن حقيقة البطولة: أنها ليست صرخة عالية، بل قرار صغير يتكرر حتى يصير حياة كاملة.

أسلوب تابوكي في الرواية دافئ ومدروس، كل جملة تغوص في قلق بيريرا وتعيد تشكيله من الداخل. تقنية “بيريرا يدّعي” المتكررة—التي يتوسل بها أمام جهة ما—تخلق إيقاعًا يشبه جلسة استجواب طويلة، لكنها تُظهر للقارئ شيئًا آخر: كيف يصنع الخوف الحقيقة، وكيف يحاول رجل بسيط أن يحمي ما تبقّى من كرامته وسط عالم ينهار. اللغة ناعمة لكنها قاطعة، مشبعة بظلال الوحدة والحنين والروح التي تريد أن تبقى نظيفة مهما تعرّضت للضغط.

في النهاية، «بيريرا يدّعي» رواية عن الصحافي الذي لم يرد أن يكون بطلاً… لكنه أصبح كذلك لأنه لم يجد طريقة أخرى ليحافظ على نفسه. إنها رواية عن قدرة الإنسان العادي على المقاومة حين يحكم الخوف العالم، وعن تلك اللحظة التي يدرك فيها أن الصمت أثقل من الخطر نفسه.

ويبقى السؤال: هل يختار بيريرا الحقيقة… أم أنّ الحقيقة هي التي اختارته

اقرأ المزيد
تم شراؤه 11 مرة
المتبقي 0

٤٠

نفدت الكمية