محمد عبدالله المري، كاتب قطري شاب واعد، استطاع منذ روايته الأولى لفت الأنظار ليقدّم في «دفوف الفقيهة» عملًا ينهل من ذاكرة الخليج الشعبية ليصوغها في نص حديث، مشبعٍ بالأسطورة والتراث، ومفتوح على أسئلة اجتماعية وفكرية عميقة.
منذ الصفحات الأولى يجد القارئ نفسه داخل قرية خليجية قديمة، حيث البحر يبتلع الأبناء، والسدرة تختزن الأرواح، والنساء يواجهن الفقد بالدفوف والأهازيج. غنيمة، الجدة التي قاومت وجع البحر بصوت دفها، تورث روحها إلى ابنتها سميرة، التي حملت على عاتقها همّ القرية وجعلت من الإيقاع وسيلة للحزن والفرح معًا. شخصيات كثيرة سترافقك لترسم ملامح مجتمعٍ مثقلٍ بالخيبات ومشاهده الصادقة في تصوير الحزن.
المرّي في هذا العمل يوظف الموروث الشعبي برشاقة، مستحضرًا أساطير مثل أم الدويس وحمارة القايلة، لكنه لا يكتفي بذلك؛ بل يبتكر أسطورة جديدة يسميها طوير الحمام، التي تتحول إلى رمز لفقدٍ أمومي لا ينتهي. هذه القدرة على المزج بين المتوارث والمستحدث، بين الأسطورة والواقع، تجعل النص حيًّا ومدهشاً وحتى يتنفس وله القدرة على أن يقنع القارئ بأن الجدّات قد يستحضرن الجن فعلًا على صوت الدفوف، وأن البحر نفسه يسمع نداءاتهن وقد يسخر منها.
في عمق الرواية يتجلّى الصراع بين التعصب والتسامح، بين سلطة الشيخ عبد الحميد وابنه عبد الله، وبين أصوات النساء اللواتي يرفعن الدفوف كنداء للتعايش وحفظ الهوية. هنا تتجاوز الرواية كونها حكاية محلية، لتصبح رؤية فكرية عن وحدة المجتمع في مواجهة محاولات التفرقة، وعن قدرة التراث الشعبي على أن يكون درعًا يحمي الذاكرة من التمزق.
"دفوف الفقيهة" ليست مجرد رواية عن نساء وقرية وخرافات؛ إنها نصّ عن مقاومة النسيان بالذاكرة، وعن كيف يمكن لصوت دف أن يكون أقوى من صوت التشدد.
فهل يمكن للدف أن يتحول إلى سلاح رمزي بيد النساء في وجه السلطة والمجتمع؟ وهل تبقى الذاكرة الشعبية أصدق وأبقى من السرديات الرسمية حين تقرع دفوفها؟! ستسكن هذه القرية بين نساءها ودفوفها لتعرف ذلك وأكثر...