حين عدت - إشراق الروقي

٣٠

رواية "حين عدت" للكاتبة إشراق الروقي، نحن أمام باكورة روائية لكاتبةٍ جاءت من خلفية الصحافة الثقافية وكتابة النصوص المسرحية، وبيدها رصيد جوائز أدبية ومسرحية يلمّح مبكرًا إلى حسّها الدرامي ووعيها بالإيقاع الداخلي للجملة والمشهد. هذه ليست رواية “عودة” بالمعنى الرومانسي، بل عودة تُفتح معها الأبواب الثقيلة: أبواب البيت، ثم أبواب التحقيق، ثم أبواب الزنازين. كأن الروقي تقول منذ السطر الأول: لا شيء يبقى على حاله، وأن “الطبيعي” قد ينقلب في لحظة إلى ملفٍّ مفتوح لا ينتهي.

تبدأ الحكاية من عائلة تبدو عادية: أب وأم وفتاة اسمها حياة… ثم يختلّ التوازن فجأة. مقعد الأب الفارغ يتحوّل إلى علامة يومية على الغياب، وصمت البيت يصير أثقل من الكلام، قبل أن تتدحرج الأحداث نحو سؤالٍ أشد قسوة: أين اختفى الأب؟ وكيف تختفي الأم بدورها لتجد حياة نفسها داخل استجوابٍ رسمي وهي “غريبة” ومجبَرة على تفسير ما لا تملك تفسيره؟ الرواية تبني توترها عبر هذا التراكم: غيابٌ يلد غيابًا، وأسرة تُساق إلى حافة الانهيار بينما الحقيقة تتمنّع وتراوغ.

وكلما حاولت حياة أن “تستعيد حياتها”، تسحبها الرواية إلى طبقة أعمق: ذاكرة سفر وعلاقات ووعود، ثم صدمة القبض عليها لحظة وصولها، كأن العودة نفسها تُصادَر عند بوابة المطار. بعدها نُلقى في عتمة الاحتجاز: زنزانة، ألمٌ جسدي، أسئلة موجعة موجّهة للأب الغائب، ثم انتقال إلى عالم سجن النساء بما فيه من تراتبية قاسية وشخصيات تتعلم معها حياة كيف تعيش داخل نظام غير مرئي يحكم التفاصيل. هنا تتقاطع ثيمة الهوية مع ثيمة السيطرة: ليس فقط “من أنا؟” بل “ما الذي يُسمح لي أن أكونه حين تُصادر قصتي؟”.

أسلوب الروقي يميل إلى الاعتراف الداخلي وتعرية الهشاشة بلا بهرجة: مشاهد البيت البارد، وارتباك الجسد، واللغة التي تتشبّث بالمعنى كي لا تتفكك الشخصية. ومع تقدّم الصفحات، يصبح عنوان الرواية سؤالًا عمليًا لا شعارًا: “حين عدت”… عدتُ إلى أين أصلًا؟ إلى بيتٍ ناقص؟ إلى ذاكرة مثقوبة؟ إلى حقيقة لا تريد أن تُقال؟ هذه رواية تشويقية بجرحٍ إنساني واضح: تقرؤها لتعرف المصير، لكنك تبقى لأنك تريد فهم الثمن الذي تدفعه حياة كي “تعود” مجرد عودة. فهل كانت العودة خلاصًا… أم كانت الفخ الأكثر إحكامًا؟ وهل يمكن أن نُصلح ما انكسر في العائلة إذا كانت الحقيقة نفسها تخاف أن تظهر؟

قراءة المزيد

٣٠

إضافة للسلة